بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 5 يوليو، 2014

لماذا يجب إلغاء عقوبة الإعدام في مصر الآن؟


مش هقبل اعتذار الداخلية لموت ابني أنا عايزة عدل ربنا من قتل يقتل" بمنتهى البساطة كان رد والدة الشاب أحمد سرور الذي دهسته عربة الامن المركزي في شارع القصر العيني يوم السبت 26 نوفمبر اثناء اعتصامه امام مجلس الوزراء، عندما سمعتها تقول تلك الجملة النابعة من قلب سيطر عليه الحزن والرغبة في الانتقام تمنيت لو يعود احمد سرور الى الدنيا ولو لدقيقة واحدة ليقول ماذا يريد هو ان نفعل بقاتليه.. هل نقتلهم أم نسامحهم، وقبلها هل يعرف هو نفسه قاتله ام لا؟!

منذ عام وفي نفس الشهر تقريبا في نوفمبر كنا مجموعة نتناقش لمدة 16 عشر يوما حول عقوبة الاعدام في محاولة للإجابة على السؤال الملح لماذا يجب ان نلغي عقوبة الاعدام في وجود لنص صريح يبقيها الى يوم القيامة عقوبة شرعها الله الذي هو نفسه واهب الحياة؟ بالنسبة لي الستة عشر يوماً هذه غيرت رأيي تماما فبعد ان كنت لا اتصور ان نبقي قاتل على قيد الحياة اصبحت اشعر اني صاحبة قضية عادلة في كل وقت ساتحدث فيه عن الغاء عقوبة الاعدام.. هذا كان قبل الثورة أما بعدها فكان يجب ان أقف قليلا وافكر من جديد هل يجب ان نطالب بعدم تطبيق عقوبة الاعدام عن حبيب العادلي ومبارك وافراد الشرطة الذين يتعمدون اصابة شباب ميادين التحرير اصابة قاتلة او على الاقل تسبب عاهة مستديمة؟.. هل يجب ان نطالب بعدم تطبيق عقوبة الإعدام على البلطجية الذين ثبتت ادانتهم في جرائم قتل واغتصاب مواطنين مصريين؟ واخيرا ماذا نفعل الآن في قاتل أحمد سرور ؟!

باختصار اذا كنا سنصدر بياناً للرأي العام او سنترافع امام القاضي نطالب بعدم تطبيق اقصى العقوبة على القاتل.. ما هي حججنا "القوية" التي ستجعل القاضي ينظر بعين الاعتبار الينا ويصدر حكما بالسجن بدلاً من الإعدام على جندي الامن المركزي الذي دهس مواطنا مصريا شريفا لم يرتكب جريمة واعزل، فقط كل ما فعله انه استخدم حقه في الاعتصام والاعتراض على سياسة ينتهجها حكام مصر الآن.. ماذا سنكتب؟!!

لا اخفي انه ربما سيبدو اننا ارتدينا روب فريد الديب محامي حسني مبارك وحبيب العادلي في قضية قتل شهداء الثورة أو حتى استلهمنا روح ابراهيم الهلباوي الذي وقف يترافع عن الاحتلال البريطاني قبل اكثر من قرن ضد المصريين في قضية "دنشواي"، لكن لا هذا ليس صحيحا؛ لان عدالة قضية المطالبة بوقف عقوبة الاعدام في مصر ليست قضية اشخاص مهما كانوا أو لصالح القاتل ضد المقتول والمغتصب ضد الضحية بل هي قضية ستغير وجه مجتمع حريصاً على القصاص اكثر من حرصه على اقامة العدل.. وحريصاً على عقاب الفقير اكثر من حرصه على عقاب صاحب النفوذ.. وحريصا على استيراد ادوات التعذيب ووسائل الاعدام أكثر من حرصه على توفير وسائل تمنع عقاب ابرياء في جرائم لم يرتكبوها لمجرد خطأ في تقرير الطب الشرعي أو عدم توفير تمثيل قانوني ملائم أو تخلف ادلة البحث الجنائي أو  وجود شهود زور وثغرات قانونية أو حتى استخدام التعذيب لانتزاع اعترافات بجرائم لم تُرتكب!!

لا اعرف لماذا تذكرت الآن مشهد الاخوان المسلمين وهم يهتفون لرجب طيب اردوجان رئيس الوزراء التركي عند زيارته للقاهرة وكانوا يرون في بلاده النموذج الذي يجب ان تكون عليه مصر بعد الثورة وتساءلت ماذا سيكون رد الجموع التي وقفت تهتف بحماس لمبعوث الجمهورية الاسلامية عندما يعرفون ان تركيا لا تطبق عقوبة الاعدام؟! هل سيستمرون في الهتاف؟.. بالتأكيد لا.. سيكون موقفهم هو نفسه موقف العزوف عن التشدق ليل نهار بالنموذج التركي بعد ان قالها اردوجان بصراحة ان تركيا بلدا علمانية!!

ربما سيكون موقف الاخوان المسلمين من أكثر المواقف تعنتا وتأثيرا في الدعوة ضد الغاء عقوبة الاعدام في مصر، ليس هم فقط بل الهواء الذي اصبح مخلوطا بالرغبة في الانتقام من كل المجرمين خلال الثلاثين عاما الاخيرة مضافة عليها كل الجرائم المرتكبة في حق الشعب منذ قيام ثورة يناير وحتى الآن، حتى لو كانت جريمة لا تستدعي شرعاً وقانونا الاعدام ولكنه الشعور العام بان الكثير من دماء المجرمين سيسهل طريق مصر الى الديمقراطية، التي تعيشها الآن دولا مثل فرنسا أو بريطانيا او حتى السويد والدنمارك!! كذلك موقف المجلس العسكري الذي يحكم مصر بقوانين العسكرية وكأن المصريين تحولوا بعد تنحي مبارك الى كتيبة عسكرية كل مظاهر الحياة المدنية ستجعلها تفسد وتصبح صيد سهل لكل الاعداء القوي فيهم والضعيف.

نعم عقوبة الاعدام ليست إنسانية وضد  المواثيق الدولية وحقوق الانسان بل تنتهك حق اصيل له وهو الحق في الحياة، وقاسية وغير قابلة للرجوع عنها في حالة الخطأ والتعسف، وغير رادعة ووجودها لا يضمن لاي مجتمع خلوه من الجريمة أو حتى تقليصه بل الذي ثبت هو العكس.. لا يمكن في ظل تطبيقها ضمان حيادية القضاء وعدم خضوعه لهيمنة السلطة التنفيذية ولا تطبيق المحاكمات الصورية واستغلال وجودها لتصفية الخصوم السياسيين واصحاب المذاهب الدينية المختلفة عن السائد.

نعم ان افلات مجرم من العقاب افضل من اعدام بريء وكم من بريء تم اعدامه!!.. نعم ان وجودها ليس دليلا على تدين السلطة في اي بلد وتمسكها بتطبيق الشريعة بل هي دليل اكبر على تعسف السلطة وعدم قدرتها على مواجهة اي مشكلة او جريمة الا بالمقصلة والسكين والرجم حتى الموت. نعم ان هناك دولا تفضل ان تعدم بشرا "مجرمين" لانها لا تريد ان تنفق عليهم مدى الحياة لانها في المقابل تدرك ايضا انها اذا قتلت ليس عليها ان تعيل اسرة من قتلته بأسم القانون.. كل هذه الدفوع –رغم قوتها- لن تفيد في الغاء عقوبة الاعدام ، بل سبب واحد يمكن ان يساعدهم وهو ان مصر ليست بلدا تطبق العدل وان ما اصدره القضاة فيها من احكام ظالمة اكثر بكثير من الاحكام الصائبة، ليس فقط في قضايا الاعدام بل وغيرها، وان القضاة لدينا يخافون من اصحاب النفوذ ويرتعشون امام من امتلائت جيوبهم بالمال ومن يوكلون محامين يظهرون في التليفزيون مثل نجوم السينما، وعلى العكس ليس لديهم فرصة اخري للفقراء والمعدمين ومن ياتون الى ساحة المحاكمة بملفات مختومة بختم النيابة العسكرية ومحاكمة امن الدولة طوارىء وملفات بتوقيع رئيس الجمهورية أو مشير الجمهورية.

* كُتب هذا المقال في 28 نوفمبر 2011 ونشر في نشرة خاصة بمشروع الحياة حق لمناهضة عقوبة الاعدام في مصر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق