بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 25 مايو، 2014

قصة قصيرة: شبح آديل

داخل غرفة "هناء" لا تقدير للوقت، لا يوجد ساعة، حتى تليفونها المحمول تفضل ان تغلقه بمجرد ان تدخل لغرفتها وكأنها تدخل قبرا او مخبأ تحت الأرض مثل الذي كان يدخله المصريين وقت غارات الحرب العالمية الثانية.

الغرفة نفسها مبعثرة لا يوجد شيء في مكانه، زجاجات المياه وفناجين القهوة وأكواب النسكافيه وأطباق الطعام اتخذت أماكنها تحت الكراسي، لا شيء منظم في غرفة هناء الا "وجه" هناء فقط.

هناء شابة في الثلاثين من عمرها لكن ضخامة جسدها توحي بغير ذلك، هي تعرف هذا جيدا، لديها وجه جميل يجعلك تتسأل مراراً كيف يصبح هذا الجسد لصاحبة هذا الوجه.

طويلة القامة بيضاء، شعرها اصفر لامع وعيناها زرقاوان ووجها ابيض جميل ذو خدين نضرين وممتلئان يعلوان شفاه يزداد جمالها مع احمر الشفاه، كل هذا فوق رقبة ممتلئة توحي بالشباب والصحة، لكن جسدها ممتلىء للغاية غير متناسق، مترهل بطريقة منفرة، بل يعوقها عن الحركة ويجعلها تفضل ان تجلس صامتة في غرفتها المبعثرة على أن تخرج وتواجه الناس بوجه يدفع الناس لمغازلتها، وجسد يجلب اليها نظرات وعبارات السخرية والتهكم، وقدم تعرج منذ الطفولة جعلت خطواتها بطيئة وحركتها كالسلحفاة.

مستوى عائلتها المتوسط لم يجعل بحثها عن وظيفة أمر حتمي ولكنها لم يكن لديها هدف في حياتها سوى ان تصبح مصممة ازياء وخبيرة تجميل لكن التنسيق الذي اجبرها على دخول كلية التجارة، حطم تلك الآمال فتخرجت متأخرة عن دفعتها لا تحب التجارة ولم تستطع ان تصبح ما أرادت.

                                                                            ***

هذا الصباح كان مختلف فقد استقبلت إتصال هاتفي من صديقة تخبرها انها وجدت لها وظيفة "كاشيرة" في محل ملابس بوسط البلد، ترددت لكنها وجدت في خروجها للعمل فرصة للتخلص من حياتها الكئيبة الخالية من اي معنى، وهروب من رغبتها الدائمة في ان تؤذي نفسها.

ارتدت نفس الملابس التي ترتديها في كل مرة للخروج طقم اسود لا يتغير وشنطة صنعتها بنفسها يغلب عليها الاسود ايضا، واكتفت بأن تمشط شعرها بسرعة، الشيء الوحيد الذي اهتمت به أن تختاره احمر شفاه فاقع اللون لكن رغم هذا وجدته مناسب لوجهها الجميل.

لم تعرف لمإذا وافق صاحب المحل العجوز على تعينها هل اعجابا بوجهها او اشفاقا عليها، لكن لا يهم فقد حصلت على الوظيفة ومن الغد سيصبح لديها شيء تفعله، في الطريق إلى منزلها كانت تجتاحها مشاعر متناقضة ما بين السعادة والخوف، بين الاحساس وكانها حصلت على جائزة وبين شعورها بضآلة ما حصلت عليه بعد احلامها الكبيرة، وظلت تردد لنفسها على طول شارع طلعت حرب المزدحم: "قبل 15 سنوات فقط كانت احلامي عريضة واشعر اني استطيع تحقيقها لقد كانت قريبة فعلا، من كان يستطيع منعي من تحقيق حلمي، لم اكن اعرف اني انا نفسي العدو الأول لطموحي!
خلال يومها الأول في العمل تعارفت بسرعة على زميلاتها، واثناء فترة الغداء سألوها: "ما اسمك على فيس بوك لكي نُضيفك؟"، ارتبكت وقالت:"ما هو الفيس بوك اصلاً، لدي بريد الكتروني استخدمه من وقت لآخر لكن لا اعرف ما هو الفيس بوك؟"

ضحكوا جميعا وقالت احداهن: "معقول لا تعرفي ما هو الفيس بوك، هذا موقع للحصول على أزواج او علاقات حب عابرة بدلاً من حياتنا المملة"!
لم تفهم من تفسيرها اي شيء وظلت تنظر اليها باستغراب، فثقافتها الرقمية ضئيلة للغاية ولا تعرف الا القليل، ولم يصل إلى علمها ابداً انهم اخترعوا موقعا مخصوص لعلاقات الحب العابرة!

قبل انتهاء ساعة الغداء عرضت إحداهن عليها ان تنشأ لها صفحة لكن سألتها عن اي أسم تريدي ان تضعي واي صورة، وهل نكتب عمرك الحقيقي ام نجعله اصغر قليلا؟!

وقفزت احداهن كما لو كانت نسيت امرا هاما وقالت:"وطبعا لن تكتبي انك كاشيرة في محل ملابس، اكتبي..، مإذا كنت تحلمي ان تصبحي وأنتي صغيرة؟"

قالت هناء بخجل: "مصممة أزياء وخبيرة تجميل"

ردت زميلتها بضحكة لئيمة:"الاثنين معا.. لا بأس اكتبي لها يا سماح خبيرة تجميل ومصممة أزياء"

عادت هناء إلى مكانها على ماكينة الكاشير لكنها لم تفهم بعد عن مإذا يتحدثن، ولمإذا إذا كانت ستنشأ صفحة لها لا تكتب اسمها وعمرها ولمإذا لا تضع صورتها، لمإذا تكذب؟، واصلا كيف يصبح موقع الكتروني مجالا لعلاقات الحب او الزواج؟!!

في نهاية اليوم تطوعت سماح ان تجيب على كل تساؤلاتها وتنهي حيرتها التي استمرت نصف يوما، خاصة بعد عرفت منها انهما جيران ويسكنان في نفس المنطقة "منيل الروضة".

اعطت هناء لسماح اذنين مصغياتين وعقلاً مفتوحا وشغفاً للمعرفة، فقد شعرت ان هناك من يفكر بها واخترع لها شيئا يمكن من خلاله ان تجد من يحبها دون ان يعرفها او يراها!

بدأت سماح في الحديث كما لو كانت تعطي درسا لتلميذة في الحضانة وقالت:"الفيس بوك ممكن نكتب عليه اي معلومات ونضع اي صورة نحبها، وليس شرطا ان نضع صورة لنا، كما يمكن من خلاله التعرف على اشخاص في اي مكان بالعالم ونتحدث معهم ايضا، فقط خطوات بسيطة ويصبح لديكِ صفحة للشخص الذي تتمني ان تكونيه!"

لو نظرت إلى هناء هذه اللحظة لتصورت انها وجدت كنزاً أو ظهرت لها الساحرة الطيبة بدلاً من سندريلا لتلبي لها طلباتها وتساعدها في الذهاب لحفل الأمير.

قلبها كان يدق بسرعة وعيناها الزرقاء الجميلة كانت مفتوحة عن آخرها ووجها الأبيض اصبح احمر في لون شفتيها.

بدأت سماح في ملىء الخانات، وقالت لهناء:"مإذا تريدي ان يصبح اسمك؟"

هناء: هناء عبد الفتاح سليمان ابو الوفا!

ضحكت سماح بصوت عالي على سذاجة زميلتها الجديدة، وقالت لها:"أتريدين ان نكتب كل هذا، ثم اسمك بهذا الشكل ليس جذاب بالمرة، سأكتب هناء سليمان؟"

وتابعت اسئلتها دون ان تنتظر ان تسمع رأيها:"مإذا عن العُمر؟"

هناء: عندي 31 سنة، لن نستطيع أن نكتب هذا.. صحيح؟!

سماح: لا طبعا، سنكتب 27 عاماً، ثم نظرت إلى وجهها للحظة وقالت: قبل ان نلتقط لك صورة مناسبة غداُ سنضع مؤقتا صورة "أديل" المغنية البريطانية فأنت قريبة الشبه منها جدا، ثم أخفضت من نبرة صوتها وقالت بلهجة رثاء "في وجهك فقط اما جسدك فأنت اضخم بكثير، لن نظهره في الصورة"!

وبدون ان تستشيرها كتبت ان "هناء" في علاقة مفتوحة، ومهتمة بـ"الرجال" وتركتها تفكر فيما يمكن ان يُحدثه في حياتها "الفيس بوك".

                                                                          ***

في الصباح الجديد كادت ان تنسى انها ستذهب إلى العمل، لكنها تذكرت حسابها على الفيس بوك وبسرعة شاهدته ورأت ان شخصا ما ارسل لها برسالة بطلب ان يصبحا اصدقاء، لم يكن لديها وقت لتعرف عنه اكثر، فأرتدت ملابسها بسرعة وفي طريقها للخروج من غرفتها ازاحت بقدمها "المفك" الذي حاولت مرارا ان تغرسه في ساقها، وفي كل مرة تبكي من عدم قدرتها على إيذاء نفسها، وقالت بصوت مرتفع "لم أعد بحاجة اليه الآن سأبعده من هنا بعد أن أعود"!

مر يومها بسرعة ولم تنطق فيه بكلمة واحدة حتى عندما طلبوا منها ان تحكي لهن "ما أخبار الفيس بوك" صمتت ولم تنطق واكتفت بابتسامة لم يتبين معناها.

في الطريق للمنزل اسرعت كما لو كانت على موعد لا تريد ان تتأخر عنه، كان كل ما يشغلها ان تعرف من هذا الذي ارسل اليها يطلب صداقتها، اين يسكن؟ ومإذا يعمل؟ هل هو وسيم او قبيح؟

درست صفحته قبل ان ترد عليه، وسيما اسمه خالد يوسف، عمره 35 عاماً، كما انه طيار في مصر للطيران، هللت لكن توقفت وقالت لنفسها :"لمإذا لا يكون كل هذا كذباً كما فعلت أنا؟!" ولم تستسلم للهاجس كما لو كانت متقبلة له حتى إذا كان كذبا فعلا.

بدأت في الرد على رسالته :"طبعا ممكن لكن ليس قبل أن تقول لي من أنت ولمإذا تريد ان نصبح اصدقاء"

ارسل اليها الرد فورا قائلا: "مساء الخير ظننتك لن تقبلي طلبي، لكن أنا سعيد انك وافقت.. أنا خالد سعيد طيار في شركة مصر للطيران وعمري..
وهو يكتب ارسلت له ردا سريعا: "35 سنة لكن اليس غريبا ان تجد وقتا للحديث على الفيس بوك، معلوماتي ان الطيارين مشغولون للغاية؟!"

خالد: فعلا لكن ليس بالشكل الذي تصوره افلام السينما، انا حصلت على اجازة اسبوعا كاملاً، واشعر بفراغ فقلت لنفسي لا بأس إذا تحدث مع اصدقاء جدد على الفيس بوك"

هناء: انا هناء سليمان مصممة أزياء وخبيرة تجميل

خالد: فنانة.. سأعتبر اننا اصبحنا اصدقاء فعلا من الآن

هناء: نعم.. لقد اصبحنا اصدقاء من الآن!

اغلقت هناء محادثاتهما فجأة كي تحاول أن تقنع نفسها ان ما حاولت القيام به هو مجرد لعبة، فقط لشغل الفراغ وان هذا الشخص الذي كذبت عليه للتو لن يستطيع ان يكتشف كذبها.

تحادثا لأيام وفي كل مرة كانت تشعر انه اصبح جزء من حياتها، وسألت نفسها:"أحقا يمكن أن استغنى عن محادثتنا هذه يوما ما؟!، وجاءتها الاجابة باسرع مما توقعت بصوت قادم من داخلها "لا لن تستطيعي"

طلب منها في أحد المرات أن تنشر صورتها بدلاً من صورة أديل لكنها سوف وقالت له "إن شاء الله" ولم تزد حرفا.

في الصباح ذهبت لسماح وتحدثت اليها بصوت خافت كما لو ستقول سرا او أمراً خطيراً، وسألتها "هل يمكن أن تلتقطي لي صورة لكن لوجهي فقط؟!"
سماح: للفيس بوك.. اليس كذلك؟!، طبعا، لكن ليس قبل ان تذهبي إلى الكوافير وتضعي مساحيق تجميل لتجعل وجهك أكثر جمالاً، وسنشتري لك فستان اجمل من هذه البلوزة السوداء الكئيبة.

هناء: لكن انا...

سماح قاطعتها: اعرف انك لا تريدي ان تظهري جسدك لكن على الاقل الفستان سيظهر جزئه العلوي في الصورة، أم انك تريدي ان تتصوري عارية؟!

هناء مرتبكة: لا طبعا، حسنا ساشتري فستانا لكن اسود ايضا.

سماح بخيبة أمل وبنظرة يأس: كما تريدين!

ظهرت الصورة اخيراً، كانت هناء تبدو فيها نسخة اخرى من أديل مع اختلافات بسيطة، ورفعتها على الفيس بوك وانتظرت رد فعل صديقها الوحيد على الفيس بوك "خالد يوسف"

لم يرد بالسرعة التي توقعتها لكنه ابدى اعجابا شديدا بالصورة وصاحبتها قائلا:"هذه فعلا صورة خبيرة تجميل!"

وقفز بسرعة في الحديث بدون مقدمات قائلا:"متى سنتقابل ونصبح اصدقاء حقيقيين؟"

ارتبكت ولم تجد ردا مناسب، هل توافق على مقابلته، هي تدرك جيدا انها سيغير رأيه فيها 180 درجة بمجرد أن يراها، وإذا وافقت ستنتهي علاقتهما فورا، وحتى إذا لم يغير رأيه فيها إلى متى ستظل علاقتهما قائمة.. أيام.. أسابيع... لا تعرف؟

اخذ يرسل اليها الاسئلة من جديد لكن بعبارات أكثر جرأة عن ذي قبل قائلا:"انتِ اصبحتِ جزءأ من حياتي، إلى متى سنظل اصدقاء افتراضيين، بعد يومين سأعود إلى عملي ويجب ان نتقابل حتى ولو لمرة واحدة ثم نعود نتبادل الرسائل هنا من جديد، لمإذا لا توافقين؟ هل هناك شيء فيا لا يعجبك؟

وكأنها وجدت طوق نجاة فالتقطت منه الخيط: لا يوجد ما يقلقني فأنا لا اعرفك جيدا حتى الآن، وما فائدة ان نتقابل، ارجع لعملك ثم أكيد سيأتي الوقت المناسب لمقابلتنا.

كتبت ردها ولديها أمل ان يرفض ويحاول مجددا اقناعها بالعدول عن الرفض، لكنه لم يعد وقال لها:"كما تريدين"!

أخذت تبكي بعنف كما لو كانت فقدت شخصا غاليا، هي تعرف انها تتمنى ان يتقابلا، فهي خطوة نحو علاقة فعلية فمازالت لا تؤمن بأن علاقتهما بهذا الشكل هي علاقة طبيعية، فكل شقيقاتها قد تزوجن وارتبطن بمن أحببن في الواقع وليس في عالم افتراضي مثلها!

حاولت ان تحتفظ بكبريائها لكن شعرت انها فقدت فرصة ذهبية لكي تلتقي بأول رجل عبر لها عن حبه دون ان يراها!

تردد بداخلها صوت العقل معنفاً:"أتسمين هذا حبا، هذا كذب في كذب، لمإذا تريدين أن تقابلي شخصا لا يعرف عنك غير اسمك وصورة حرصتي أن تظهري منك وجهك حتى لا يعرف حقيقة ما تخفين عنه، هل أنتِ مصممة أزياء؟ هل انتِ صاحبة الـ 27 عاماً؟ هل أنتِ هي التي يريد أن يقابلها؟
أجابت صوت العقل بداخلها بصوت ضعيف ممزوج بالدموع: لا لست أنا المرأة التي يبحث عنها، ولكني اريد أن اقابله يمكن أن يتقبلني ويتفهمني.. لما لا؟! الم يقل انه يحبني؟!

يوم جديد بدأته بأعين منتفخة من البكاء وقلبا مكسروا وندما على انها رفضت، وتمنيات أن يعاود الكَرة قالئلة لنفسها :"إذا طلب مني الخروج معه مرة أخرى سأوافق بدون تردد!"

زميلاتها في العمل يراقبنها في صمت ويتسألن فيما بينهن في همس عن السر خلف هذا الحزن البادي على وجه زميلتهن الجديدة؟! قالت واحدة منهن بخبث:"أكيد السبب هو الفيس بوك.. الله يجازيه"!.

في المساء انتظرته مع انه لم يكن ابدأ بينهما موعدا يتحادثن فيه لكنها انتظرت على أمل ان يتحدث، وبالفعل تحدث لكنه لم يذكر أبدا فكرة لقائهما.
فبادرته قائلة:"انا غيرت رأيي واري أن فكرة لقائنا قبل انتهاء اجازتك فكرة صائبة.. اي يوم يناسبك؟

صمت هو لفترة ولم يرد بسرعته المعتادة وطال انتظارها وتوقعت أن يرفض هو هذه المرة ولكنه قال:"اهاااااااا.. اخيرا وافقت، غدا يناسبني، ما رأيك الساعة 7 في جروبي بوسط البلد.. تعرفيه؟

هناء: طبعا..أعرفه!

قررت ألا تذهب إلى عملها هذا اليوم، وأن ترتدي الفستان الذي اشترته وتذهب للكوافير، بل قررت أن تنام مبكرا حتى تستيقظ وجهها رائق وجميل!
لم تفكر فيما ستقوله وكيف ستبرر كذبها، ولم تجهز رد فعل مناسب إذا اهانها ووصفها بالمحتالة والكاذبة، تركت الأمر كما لو كانت تضمن أن ينتهي كما تريد أو مثل أفلام السينما القديمة بأن يسامح البطل البطلة ويقررا الزواج فورا!

                                                                        ***
في طريقها كانت ترن في أذنها اغنية تحبها "ليه يا قلبي ليه بتحلفني ليه.. اخبي الحكاية واداري عليه"، حرصت أن تذهب قبله حتى تختار مكان مناسب تخفي بداخله جسدها الضخم وحتى لا يراها وهي تعرج بقدمها، اغمضت عينيها واسترجعت صورته شاب في منتصف الثلاثينات من عمره، وسيم، اسمر عيناه سوداوان وشعره ناعم قليلا لكن متراجع إلى الخلف يبدو انه بدأ مرحلة "صلع مبكر"، يرتدي بدلة الطيار البيضاء والكرافتة السوداء وخلفه لافتة مكتوب عليها "مصر للطيران.. ضحكت فجأة:" كم أنا بلهاء،  هل سيأتي واللافتة معه!"،  وفتحت عينيها وسألت نفسها:"هل سيأتي بزي العمل؟، واجابت نفسها: لما لا؟!

نظرت في ساعتها الجديدة وقالت "الساعة الآن السابعة مساء لمإذا لم يأتي؟" وعندما رفعت وجهها وجدته هو نفسه يحملق فيها وكأنه يريد أن يتأكد انها هي من يريد، فقالت له:"نعم أنا من تبحث عنها، ممتلئة قليلا.. أليس كذلك؟!!

زم شفتيه قبل أن يجيب:"اها فعلا لكن لا بأس"!

كان هذا أول نذير لهناء فواضح انه يشعر بـ"صدمة" بين الصورة التي رسمها في خياله والواقع الذي يراه الآن!

تجاهلت رد فعله وتابعت:"أتصدق اننا لم نتبادل ابدأ ارقام هواتفنا"!

خالد بنبرة هادئة وغير متحمسة: نعم، قبل ان نغادر لابد أن نتبادل ارقامنا، لكنه تابع:
أنا سعيد انك وافقتِ على لقائنا اليوم، انتظرته طويلاً!
هناء مبتسمة: ارجو انك بعد أن رأيتني لم تغير رأيك؟
خالد مترددا: لا طبعا.. كيف، فأنت أحلى من الصورة.
هناء قالت لنفسها: ايها الكاذب!

كان وسيما جدا ومهندما، تفوح منه رائحة جميلة نفاذة، لم يرتدي بدلة الطيار لكنه ارتدي بدلة زرقاء انيقة جعلت من شكله في الواقع افضل كثيراً من الصورة.

بدأ يتحدث بنبرة جادة وكأن الأمر اصبح خطيرا فجأة قائلا:"أنا اسف لما سأقوله لكني اشعر برغبة عارمة في مصارحتك بحقيقتي واتمنى أن لا تغضبي مني وتتهميني بالاحتيال، أنا لست طيارا كما اخبرتك، فأنا مجرد سائق في مطار القاهرة كل ما اقوم به ان انقل الركاب إلى الطائرة.

بينما هو يتحدث كانت هناء مشدوها تحملق فيه وتتهمه بنظراتها بالكذب والخداع، ونسيت تماما انها قامت بالشيء نفسه.. لم يسمح لها بالرد عندما حاولت ان تتحدث، وتابع قائلا:
أنا تعليمي متوسط ولم يكن ابدا لدي طموح ان اصبح طيارا لكن بعد ان التحقت بالمطار سائقا شعرت بالضآلة وقارنت نفسي بالطيارين الذين سافروا إلى بلاد العالم وأنا كل دوري أن انقل الركاب في خط مستقيم لا يستغرق 5 دقائق ذهابا وايابا، وقبل ان تسأليني عن صورتي على الفيس بوك فقد استعرت بدلة طيار اعرفه والتقط بها صورة واحدة فقط أمام لافتة مصر للطيران حتى يصدق الناس على الفيس بوك طبعا اني طيارا فعلا، وأنا جئت اليوم لكي اعتذر لك!

هناء: تعتذر لي؟! لمإذا لم تقل هذا الكلام على الفيس بوك ولم تكلف نفسك عناء مواجهتي بهذا الشكل؟!

خالد مرتبكا: اردت ان اوضح لك موقفى ورأيت إذا شرحت لكي وجها لوجه افضل كثيرا من ان اتحدث متخفيا!

هناء: هل هناك شيء آخر تريد ان تقوله لي؟

خالد: لا، لكن اتمنى ان نظل اصدقاء، فبالتأكيد ستقولين عليَ غبيا إذا طلبت منك ان تنظري لي على اني حبيب!

هناء بعد نظرة عميقة له: الحقيقة لقد سهلت الكثير عليَ، أنا ايضا لست مصممة أزياء ولا خبيرة تجميل انا كشيرة في محل ملابس هنا في وسط البلد، وأنا كما ترى ضخمة ولست جميلة مثلما نعتني قبل قليل!

ظلا للحظات ينظر كل منهما إلى الآخر كما لو كانا فقدا القدرة عن الكلام، او فقدا الذاكرة، لكن خالد هو من بدأ ينطق لكنه لم يتحدث بل اطلق ضحكة ظلت تتصاعد مثل السلم الموسيقى، اما هناء التي بدأت الدموع تناسب على وجهها بغزارة بدأت هي الاخرى في الضحك لكن ضحك ممزوج بطعم الدموع الحارة وخيبة الأمل، لم يتوقفا عن الضحك حتى بعد ان انتبه اليهما زبائن المحل، لم يتوقفا الا بعد أن ظهر الجرسون يسألهما:"مإذا سيشربان؟!" نظرا إلى بعضهما وصمتا، وفي ذهن كل منهما  سؤال هل سيتبادلا ارقام هواتفهما بعد هذا اللقاء؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق