بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 16 ديسمبر، 2013

مقال: لو مصر ليبرالية: لن يسأل المصريون عن ديانة رئيس الجمهورية!

وحدت ثورة الخامس والعشرين من يناير المصريين باختلاف انتماءاتهم الدينية والثقافية والعرقية والسياسية خلف هدف واحد هو إسقاط ديكتاتور اضطهد الجميع طوال فترة حكمه التي استمرت ثلاثين عامًا، بل دفعت الآلاف على مدار الـ18 يومًا للعيش سويًّا في ميدان التحرير، الذي رغم نطاقه المحدود إلا أنه بدا قادرًا على استيعاب الجميع، وظهر كنموذج مصغر لمصر التي نريدها، والتي توحد متظاهروها خلف شعارات واحدة "عيش حرية عدالة اجتماعية".

عاش المتظاهرون في مصر على مدار الـ18 يومًا كليبراليين حقًّا ولو لم يدركوا ذلك، فنادوا بالحرية التي هي أبسط مرادف لمعنى "الليبرالية"، والعدالة الاجتماعية التي هي أحد أهداف الليبرالية، ونتاج حصلت عليه العديد من الدول التي سبقتنا في تطبيقها، بل أظهروا أن مصر يمكن أن تصبح ليبرالية بنفس السهولة التي أصبح فيها الميدان نظيفًا بعد تنحي مبارك، لكن ما حدث كان مغايرًا تمامًا للأحلام التي صُنعت في سماء الميدان خلال الـ18 يومًا وإن ظل الأمل معقودًا على تحقيقها يومًا ما.

الآن وجد المصريون أنفسهم صانعي ثورة ثانية سميت بثورة "30 يونيو" كان من نتائجها أن تولى مجموعة من أبرز الليبراليين دفة الحكم في مصر، صحيح أنها مازالت مرحلة انتقالية ولم يختَرهم الشعب في انتخابات حرة، لكنهم في إمكانهم أن يقدموا نموذجًا يدفع المصريين أو على الأقل الذين يؤمنون بثورة الـ30 من يونيو أن  يؤمنوا كذلك بأن الليبرالية الأنسب لمصر، بتنوعها الثقافي والديني والعرقي، لكن مهمتهم ليست سهلة على الإطلاق!

فكل التغيرات السياسية التي شهدتها مصر في الفترة ما بين الثورتين اهتمت بالأساس بتغيير الوجوه في عالم السياسة، لكن لم يوازِ هذا التغيير أي محاولة لوضع خطط لمعالجة الانحطاط الأخلاقي والاجتماعي والثقافي في مصر، بل لم نرَ أصلا اعترافًا بوجود هذا الانحطاط  ولو في خطاب واحد من العشرات التي ألقيت على مسامع "الشعب العظيم"؛ لذا علينا نحن الذين نعايش هذا الانحطاط يوميًّا ونراه مجسدًا أمامنا بصور عدة أن نحلم ببتره من جذوره، ونسأل أنفسنا "لو مصر ليبرالية" ماذا سيكون شكلها حينذ؟ وما الذي سيتغير في أهلها ليستحقوا ذلك اللقب الذي خلعه عليهم حكامها على اختلاف درجة استبدادهم وفسادهم، وحتى على اختلاف درجة سذاجتهم أو مكرهم السياسي، لقب "الشعب العظيم" بحق!

* لو مصر ليبرالية: لن يسأل المصريون عن ديانة رئيس الجمهورية!
فور إعلان تعيين المستشار عدلي منصور، رئيس المحكمة الدستورية، رئيسًا مؤقتًا لمصر بعد عزل د.محمد مرسي، كان أول ما تساءل عنه المصريون على شبكات التواصل الاجتماعي هو ديانة الرئيس الجديد، وتبرع الكثيرون بإضافة أنه طبعًا مسيحي، وآخرون يتمتعون بخيال واسع قالوا عنه "يهودي"، على الرغم من أنه لم تشرع بعض المواقع الإلكترونية في نشر السيرة الذاتية للرئيس الجديد!

طبعًا كانت نتيجة هذه الشائعات أن حرصت وسائل الإعلام الحكومية على إظهار أن الرئيس الجديد هو المستشار عدلي محمود منصور "مسلم طبعًا"، ومازال حتى الآن اسمه يُكرر في النشرة ثلاثيًّا!

كان واضحًا أن المصريين لم يتعلموا الدرس أبدًا فاسم الرئيس أو ديانته أو حتى درجة تدينه لم تكن أبدًا نقاط الخلاف مع من سبقوه، فكلهم كانوا مسلمين أغلبهم كان اسمهم "محمد" وحريصين على إظهار أنهم يصلون ويصومون ويحجون ويتبرعون للفقراء، لكنهم كانوا في نظر الشعب طغاة ومستبدين، بل وفاسدين، كلّ بطريقته الخاصة، ومع ذلك كان الاهتمام منصبًّا على ديانة الرئيس الجديد، رغم أنه تم تعيينه بصفته لا لشخصه، بل أيضًا قواعد اختيار رئيس المحكمة الدستورية لا يدخل من ضمنها "قانونًا" ديانته، يعني كان واردًا جدًّا أن يكون مسيحيًّا، ووقتها كان سيقول الكثيرون إن الثورة أول ما أتت به رئيس مسيحي لدولة مسلمة!

لو مصر ليبرالية لم يكن أحد ليهتم بديانة الرئيس أو مستواه الاجتماعي أو أصوله، بل سينصب التركيز على مدى كفاءته ومناسبته للمنصب الذي تولاه، والرئيس كذلك لن يحاول أن يُظهر للناس بكل الطرق تدينه، وسيعرف أن هذا الجانب يخصه وحده، وأن ما يعني الشعب هو الكفاءة في إدارة شئونه والصدق في الوعود التي قطعها على نفسه.

بل أيضا لم يكن سيحتد نقاش حول ديانة "مصر"، فمصر دولة وليست امرأة، والدولة شخصية اعتبارية لا يمكن ان نُكسبها ديانة الإسلام؛ لأن أكثر سكانها مسلمون، وماذا عن المسيحيين واليهود وأصحاب الديانات الأخرى، ماذا يمكن أن نفعل بهم؟ أنرسلهم إلى كندا ليعيش "الغالبية" مرتاحي الضمير؟!

لو مصر ليبرالية لن تقول عن نفسها إنها دولة إسلامية وبها ملايين من أصحاب الديانات الأخرى، لو مصر ليبرالية لن تنظر إلى ديانة رئيس جمهوريتها بل لكفاءته، ولن تتردد في أن تُنصِّب رئيسًا مسيحيًّا إذا رأت فيه الكفاءة لإدارتها، حتى لو كان منافسه مسلمًا.

لو مصر ليبرالية لن يتحرج مسيحي أو صاحب أي ديانة أخري أن يرشح نفسه في أي منصب قيادي، بما فيه رئيس الجمهورية، لأن الناس ستنبذه لديانته، بل سيرشح نفسه لأنه يعرف أن من سينتخبون يدركون أن من سيحكم سيدير شئون منصبه بقانون المنصب وليس بقانونه الخاص!

لو مصر ليبرالية سترى مواطنيها بعين المواطنة وليس بما تقوله خانة الديانة، ولن يكون حينها المكان يتسع لأفَّاق أو كاذب أو مدعٍ يحرص على تربية لحيته كشهادة كفاءة للصعود وتولي المناصب!

* لو مصر ليبرالية: لن يستنكر أحد تولي امرأة منصب وزيرة الدفاع!
ما بين الاستنكار والسخرية كانت التعليقات على تعيين أول وزيرة دفاع في فنزويلا، بل إن هناك أشخاصًا تبرعوا بأن ينصحوا الرئيس الفنزويلي نيكولا مادورو "لا أفلح قوم تحكمهم امرأة".. طبعا كتبوا حديث الرسول، صلى الله عليه وسلم، خطأ فهو في الأصل "ما أفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة"، ولكن هذا لا يمنع أن هناك قطاعًا كبيرًا من المصريين يحبون فرض الوصاية على أنفسهم، بعضهم البعض وعلى غيرهم أيضًا، فالمرأة تم تعيينها وزيرة دفاع وليست رئيسًا، وتم اختيارها بغض النظر عن النوع، وأيضًا لم تبدأ حتى في ممارسة مهام عملها لنرى مدى قدرتها على إدارة المنصب، ومع ذلك كان هناك من بادر بأنها ستفشل هي وبلدها أيضًا، كل هذا استنادًا إلى فهمهم هم للحديث منفصلاً عن السياق الذي ورد فيه، وتغير الزمن، وتغير مفهوم الولاية من العصر الذي قيل فيه الحديث عن العصر الحالي!

نفس الأمر تكرر مع صورة كانت منتشرة لوزيرة الدفاع الإسبانية كارمي شاكون، وقد ارتدت بنطالاً أسود وسترة قصيرة، تستعرض القوات، وكانت حاملاً في شهرها السابع، سخرية واستنكار وأيضًا إعجاب بالجرأة في اختيار المرأة وجرأة المرأة نفسها في استعراض القوات وهي حامل، لكن إعجاب لأن النموذج بعيد هناك في إسبانيا، لكن لو فكر رئيس الجمهورية في ذلك مجرد تفكير لقالوا عنه مجنون!

لو مصر ليبرالية كانت ستؤمن بأن المرأة ليست قاصرًا عن أداء بعض المهمات وليس عارًا عليها أن تتولى شئونًا كبرى في مجتمعها، بل العكس تم إثباته مرارًا في نماذج نسائية كثيرة جدًّا تولت ومازالت مجتمعات تؤمن بقدرة المرأة على صنع ما لا يستطيع الرجل صنعه، فأنديرا غاندي ومارجريت تاتشر وأنجيلا ميركل وبناظير بوتو وهيلاري كلينتون لسن شخصيات من خيال هوليوود بل واقع فرض نفسه.

لو مصر ليبرالية كانت ستؤمن بمساواة المرأة والرجل، ولن يمارس المجتمع غباء أن يحرم نفسه من جهود نصف سكانه لاعتقاد أثبت فشله بأن المرأة لا تصلح إلا في الأدوار التي رسمها لها الرجل.

* لو مصر ليبرالية ستجد في كل نشرة أخبار مذيعًا أسود، وفي كل طائرة مضيفة سوداء.
مصر دولة أفريقية والحضارة التي نتحدث عنها ليل نهار هي حضارة أفريقية، ومع ذلك أي شخص لديه قدر بسيط من الملاحظة سيرى بوضوح أننا عنصريون، نكره أصحاب البشرة السوداء لو كانوا مصريين أو قادمين من دول أفريقية من السودان لجنوب أفريقيا، وسيرى أيضا مدى الاحتفاء الذي يلقاه السائحون أصحاب البشرة البيضاء، فهو يعادل الاحتقار ذاته الذي نعامل به "السود" مصريين وغير مصريين!

لذلك لم يكن هناك ما يدعو للعجب عندما اشتعلت أزمة سد النهضة أن نسمع شكوى الأفارقة منّا ومن استعلائنا عليهم وتنصلنا من أصولنا الأفريقية، مع الحرص على توطيد العلاقات مع دول الغرب والشرق، دون أن نمد أي جسر للتواصل مع القارة التي ننتمي لها فعليًّا.

مصر لديها أهل النوبة بلغتهم وثقافتهم وتاريخهم ولونهم، ومع ذلك لن تجد الكثيرين متعاطفين مع دعوات حق عودتهم إلى مكانهم الأصلي، بل ستجد على الجانب الآخر معارضين بل ومتهمين لهم بأنهم "انفصاليون" يريدون أن يستقلوا عن مصر، أو ينضموا إلى السودان، مع أن هذا ليس صحيحًا!

لو مصر ليبرالية لن تجد من يسب شخصًا بأنه "أسود"، ولن تجد من ينظر بازدراء في عربات مترو الأنفاق للأفارقة مع نعتهم بألفاظ قاسية وهو مطمئن أنهم لن يفهموا أو إن فهموا لن يستطيعوا أن يشتبكوا، لأنهم ليس لديهم أنصار!

لو مصر ليبرالية لن تشكو سيدة مصرية تسير في الشارع من تحرش الناس بها ونعتها بـ"شيكولاتة" أو يعاملها الموظفون على أنها سائحة أفريقية فقيرة وليست مصرية.

لو مصر ليبرالية ستجد في كل نشرة مذيعًا أو مذيعة سوداء، وفي كل طائرة مضيفة سوداء؛ لأن مصر فيها مواطنون بشرتهم سوداء، ولن يجد النظام "الموقر" الحاكم في مصر أي غضاضة في ذلك، ولن يغلق المشاهدون التليفزيون أو يطلب المسافرون تغيير المضيف/ المضيفة "اللي لونها غامق" واستبدالها بـ"واحدة تفتح النفس"!

لو مصر ليبرالية لن ينتحر شخص لأنه "غير لائق اجتماعيًّا"!
مازالت في ذاكرتي قصة انتحار الشاب عبدالحميد شتا، بسبب فشله في الالتحاق بالسلك الدبلوماسي، بعد تفوقه في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية؛ لأنه في نظر الذين رفضوه "غير لائق اجتماعيًّا" ولم يكن يحمل كارت توصية من مسئول كبير أو راقصة مشهورة!

عبدالحميد لم يكن الوحيد الذي انتحر بعد فشله في الالتحاق بالوظيفة التي يحلم بها، فهناك مئات غيره، وهناك من انتحر بسبب البطالة وهو يحمل شهادة جامعية يرى غيره الأقل منه كفاءة يركب سيارة آخر موديل وفي منصب كبير وكل مؤهلاته أنه ابن فلان المشهور أو ابن فلان المسئول.

لو مصر ليبرالية كان عبدالحميد شتا سيحصل على الوظيفة التي يحلم بها لأنه سيستحقها ولن يسأله أحد "أنت ابن مين في مصر؟"، ولن توجد أصلاً تلك الجملة البغيضة "غير لائق اجتماعيًّا".

معظم قصص النجاح التي نقرؤها عن مشاهير العالم تقول إن هناك أشخاصًا بدأوا كماسحي أحذية وبائعي مشروبات غازية، بل هناك من كان منهم مشردًا أو مشروع مجرم، ولا نخفي إعجابنا بهذا النبوغ دون أن ننظر إلى الفلسفة التي يمكن أن تصنع من ماسح أخذية ممثلاً أصبح مشهورًا مثل أنتوني كوين، فلو أنتوني كوين كان لدينا هنا في مصر كان سيعيش وسيموت ماسح أحذية!

لو مصر ليبرالية كل وظيفة سينالها الذي يستحقها بغض النظر عن أصله ومكانة والده الاجتماعية، لأن الكفاءة ستصبح العنصر الذي يقاس عليه البشر وليس الأصل، ولن تجد منتحرًا على وجهه جملة "غير لائق اجتماعيًّا"!

لو مصر ليبرالية: لن يوجد تحرش جنسي في الشوارع لأن المرأة "غير محجبة"!
لم يعرف أحد تلك اللحظة التي تحولت فيها مصر لهذه الفوضى في عقول شعبها، التي جعلت الملابس هي معيار تقييم البشر بين محترم وغير محترم، لكنه واقع فرض نفسه على الجميع، فجعل التقييم على الشكل وعدد قطع الملابس التي ترتديها المرأة في شوارع المحروسة!

فالتحرش الجنسي ظاهرة منتشرة منذ سنوات، لكن ستجد التبريرات لها حاضرة، ومن أبرزها أن المرأة غير محتشمة أو غير محجبة، فهي تستحق ما يُفعل بها حتى لو كانت تحرشًا أو اعتداء جنسيًّا!

لو مصر ليبرالية لن تجد نظرات احتقار وأصوات سباب لأي شخص يرتدي أي زي مهما كان، فستحترم الناس حرية الأشخاص في ارتداء ما يحلو لهم وما يعبر عن شخصياتهم بدون وصاية، ولن تجد تحرشًا يبرره تبرج المرأة أو عدم تغطية رأسها!

الليبرالية تضمن احترام الناس لبعضهم البعض وتعايشهم مهما اختلفت أصولهم العرقية وانتماءاتهم الدينية واتجاهاتهم السياسية، سواء كانوا بيضًا أو سودًا، محجبات أو سافرات، أبناء ماسحي أحذية أو أبناء سفراء، تعلموا في العائلة المقدسة أو في مدرسة صفط اللبن الثانوية، تخرجوا من الجامعة الأمريكية أم من كلية البنات في جامعة بني سويف، أو حتى لا يجيدون القراءة والكتابة.

الليبرالية حرية وسيادة قانون ونظام عام يراعي الفروق الفردية والاختلافات، ولا يقصي أحدًا ولا تعرف "المعاقين" بل تعرف أصحاب القدرات الخاصة.

الليبرالية ليست ضد الدين، فلا تعارض بين أن تكون مسلمًا متدينًا وليبراليًّا، ومصر نفسها بأغلبيتها المسلمة كانت يومًا ما ليبرالية يتعايش فيها المسلم والمسيحي واليهودي وأصحاب العقائد الأخرى على أرض واحدة ويمارسون شعائرهم بحرية قبل أن يظهر من يقول الليبرالية كفر وإلحاد!

لو مصر ليبرالية كانت البطاقة الشخصية مثل جواز السفر بلا خانة ديانة!

لو مصر ليبرالية كانت ستتصالح مع طبيعتها وتحترم تنوع سكانها!


لو مصر ليبرالية فإن اختلاف التوجهات السياسية لن يدفع الأسر إلى الانقسام!


لو مصر ليبرالية تقف الدولة على مسافة واحدة من جميع مواطنيها ولا تتملق الأغلبية!


لو مصر ليبرالية ستتحقق أهداف الثورة "عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية"!

* هذا المقال فاز مع 19 مقال اخرين بمسابقة مؤسسة فريدريش ناومان لاختيار افضل 20 مقال في مسابقة بعنوان "لو مصر ليبرالية"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق