بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 2 ديسمبر، 2013

مقال: من يعطي "المشوهة" وجها جديدا؟!

"من يستطيع أن يحدق في صورة امرأة جميلة، يستطيع أيضا أن ينظر إلى وجهي المحروق" تلك الجملة قالتها الشابة الهندية سونالي موخرجي التي تعرضت لاعتداء بالحمض الكاوي من ثلاثة من زملائها في الجامعة، وبدلا من أن تتوارى عن الأنظار، تقدمت للظهور في برنامج من سيصبح المليون وحصلت على ما أرادت 2,5ملايين روبية لتغطية تكاليف عدد من الجراحات التجميلية التي ستخضع لها!

سونالي نموذج مختلف لما يحدث في مصر، فليس معنى هذا ان النساء لدينا لا يخضعن لاعتداءات مماثلة، بل لآن ثقافة البلد الذي نعيش فيه تجبرها على التواري والاختباء بل تفقدها كل ما تملكه لتجد نفسها في الشارع متسولة أو في مستشفى بعد محاولة أنتحار!

تتعرض الكثير من النساء في مصر لاعتداءات تستهدف تشويه وجهوههن اما بدافع الانتقام أو بفعل حوادث، لكن النتيجة واحدة، فبعد شهور عدة تقضيها المرأة في قسم للحروق بداخل اي مستشفى، بعدها تخرج وقد فقدت وجهها وعملها وزوجها أيضا –اذا لم يكن هو نفسه المعتدي!

القضية اكثر عمقا مما تتصور، فاذا كنا في مجتمع يمنح صلاحيات عدة للمرأة بناء على جمال وجهها، فهو نفسه المجتمع القادر على حرمانها من أبسط الحقوق بعد تشويه نفس الوجه، حتى مع الاعتراف بأن تلك المرأة وقعت ضحية لاعتداء جبان من رجل مجرم، أراد أن يعاقبها مدى الحياة على جريمة لا يعترف بها الا هو!

اخشى أن تتصور أن ما سبق كان نتيجة لخيالي الواسع، لكن قبل ان تبدأ في توجيه اتهاماتك لي سأسرد لك قصة امرأة رأيتها بعيني قبل شهور، كانت ترقد في غرفة معزولة في واحد من مستشفيات التأمين الصحي بجنوب القاهرة، وبعدها اعد قراءة مقالي من البداية وقول لي ما رأيك أنت؟

بجوار عنبر الأورام الذي كانت تنتظر فيه والدتي دورها في عملية جراحية، مع 5 سيدات آخريات، كان هناك سيدة كلما كانت تمر، كان لابد لنا ان نغلق جميع ابواب العنابر التي تمر بجوارها تلك السيدة، في البداية لم أكن اعرف ما الداعي لحالة الطوارىء التي تفرضها المريضات على انفسهن، فهي في النهاية مريضة مثلهن، لكن عرفت بعد ذلك ان هذه السيدة التي تقيم بمفردها في غرفة خاصة، حاولت ان تنتحر بأشعال النار في نفسها، بعد خلافات مع زوجها الذي يكبرها بأعوام عدة، وكانت النتيحة أن فشلت محاولة الانتحار واصبحت السيدة مشوهة بالكامل تتلقى علاج سيستمر لفترة طويلة، ولذلك كان السيدات زميلات والدتي يحرصن على الا يرونها وهي تمر متدثرة ببطانية، لبشاعة ما آل اليه وجهها، ورغم ذلك كن يحرصن على التحدث عن الشابة التي خسرت نفسها بسبب رجل وتركت 5 بنات صغيرات يشاهدن والدتهن بعد أن اصبحت شبح!

انتظر أين ستذهب؟! قصة محزنة التي قرأتها للتو.. اليس كذلك؟، اليك بأخرى توضح لك مصير تلك السيدة وغيرها ممن يسكن عنابر الحروق في المستشفيات، بالمناسبة نحن ليس لدينا مستشفى متخصص في علاج الحروق يعمل حتى الآن، ومنذ أيام سمعت د. جابر نصار رئيس جامعة القاهرة يتحدث عن اتفاقيات لافتتاح مستشفى الحروق بجامعة القاهرة قريبا!

منذ أعوام كان هناك سيدة تمر من حين لآخر في مترو الانفاق توزع ورقة على السيدات، كان مكتوب فيها انها مطلقة ولديها ابنة وتحتاج الى مساعدة، طبعا هذا كلام يمكن الا تصدقه ولا تهتم بأن تساعدها اصلا، لكن بعد أن نظرت الى وجهها، إكتشفت عمق مأساة، السيدة ترتدي ملابس نظيفة ومنسقة ولا تبدو كالمتسولات، لكن المشكلة تكمن في الوجه، فهو مشوه بالكامل، ولا تبدو منه اي ملامح على الاطلاق، يعني ان تلك السيدة لا يوجد لديها فرصة في العمل (اي عمل)، أو الزواج مرة أخرى فمجتمعنا ينفر من اصحاب الوجه "القبيح" فما بالك بصاحبة الوجه المشوه!

الآن عليك ان تربط القصتين ستجد ان مصائر السيدتين ستتشابه فما تفعله السيدة الثانية، هو مستقبل السيدة الأولى، فحتى لو تحمل الأب مسئوليته تجاه بناته، فمن سيتحمل مسئولية سيدة مشوهة، كل ما يمكن ان تعطيه اليها اسرتها، غرفة بدون مرآة حتى لا ترى كيف اصبحت!

يكفي قصص محزنة.. أليس كذلك؟!، لديك حق فعلا، لكن مازال لدي لك مشهد، فقبل العيد بأيام عدة قررت ان اشتري مناديل، بحثت في طريقي عن اي بائع، ووجدت فعلا، سيدة كانت تجلس في وسط البلد، تبيع المناديل بوجه غابت ملامحه ويدين مشوهتين، قبل عدة أعوام كان يمكن ان تصادف سيدة واحدة  مشوهة الوجه في طريقك، لكن الآن يمكن بمزيد من قوة الملاحظة ستجد أن العدد يتزايد!

يمكن ان نتصور الأسباب الكثيرة التي تقف خلف تعرض السيدات لهذا النوع من العنف بتشويه وجوههن بالحمض الكاوي (ماء النار) او بالنار نفسها، الغيرة، الرغبة في الانتقام، رغبة السيدة نفسها التخلص من حياتها، حادثة انفجار انبوب البوتاجاز في وجه السيدة، او نتيجة حالة نفسية وظروف معيشية قاسية، لكن الناجيات من الموت يواجههن مصيرا يساوي في قسوته الألم الذي شعرن به عند القاء ماء النار على وجوههن!

اذن لابد أن نطرح على انفسنا سؤالا: ماذا يمكن أن نفعل لهن؟، قبل أعوام لم نكن نسمع عن اي خطوات فعلية في مواجهة هذا النوع من الإعتداء في دول العالم المتحضرة منها والمتخلفة، لكن الآن يمكنك أن تجد عشرات الجمعيات الاهلية في بلدان مثل كولومبيا، الهند، باكستان، بنجلاديش، حتى على مستوى الحكومات تجد محاولات لاصدار تشريعات تتعامل مع هذا النوع من الاعتداءات على النساء، والتي تختلف تماما على اي نوع آخر من العنف يمكن ان يمارسه رجل على امرأة، او المرأة ضد نفسها!

ففي بنجلاديش مثلا، هناك مؤسسة ضحايا الحمض والتي احصت 3 آلاف حالة اعتداء بالحمض ( الأسيد) منذ عام 1999، لكن نحن ليس لدينا اي جهة تقوم حتى برصد تلك الحالات حتى تضع ايدينا على حجم المشكلة في مصر.

وفي باكستان هناك "مؤسسة الناجين من الهجمات بالاسيد" والتي تديرها الفرنسية فاليري خان مع زوجها الباكستاني، وهي نفسها التي حصلت على جائزة اوسكار العام الماضي، عن فيلمها الوثائقي "أنقاذ وجه" والذي يسرد معاناة ضحايا الاعتداء بالاسيد.

بل هناك أكثر من ذلك، هناك سيدات كن طالبات جامعيات وعارضات ازياء تعرضن لاعتداء مماثل وقررن ان يصبحن نماذج ايجابية، فبدلا من التواري قررن الظهور وعرض قضيتهن، التي هي نفسها قضية مئات السيدات حول العالم، لكن هناك المنتحرات مثل الراقصة الباكستانية فخرة يونس  التي قفزت  من الطابق السادس بعد مرور 12 يوم على تعرضها لهجوم بماء النار – حمض الاسيد - من قبل زوجها السابق اثناء نومها في بيت اهلها!

وهناك ايضا من تضعهن مجتماعتهن في دور المنتقم فيواجهن آلما جديدا، مثل الشابة الايرانية التي اصدرت لها المحكمة قرارا برش مادة حامضية حارقة على وجه شاب ايراني ادين برش ذات المادة على وجهها مما ادى الى اصابتها بالعمى التام وتشوه وجهها!

لكن هذا لا يعني أن كل القضية الآن ما هي الدول التي انتبهت للمشكلة الآولى، هذه ليست مسابقة نحن فيها الخاسر، لكن المشكلة اكبر ، وتتعلق بنظرة مجتمع كامل لمن يمثلون الجانب الاضعف فيه (مشوهات الوجه والمرضى النفسيون، اصحاب الاعاقات.. الخ)، فمازال سجلنا غير مشرف في كل هذ الملفات مجتمعة!

اعرف انك قد اصبت بالاكتئاب من مقالي الطويل، لكن كل ما اريد ان اقوله لك ببساطة ان تضع نفسك في مكان امرأة لا يعترف بها مجتمعها كشريك متكافىء للرجل فتلجأ الكثيرات منهن لاستغلال جمال الوجه والجسد للحصول على بعض المميزات، فماذا يفعلن هؤلاء اللاتي فقدن جمال الوجه والجسد او حتى لم يستطعن ان يصلن الى وجه مقبول بعد العديد من عمليات التجميل المكلفة؟!

في المناسبات نرتدي ملابس جديدة، نضع مساحيق فنصبح اجمل، نلبس اكسسوارات فنصبح اكثر اناقة، لكن بالنسبة لمشوهات الوجه، من يستطيع ان يمنحهن وجها جديدا بدل الذي ذاب وضاعت ملامحه لتخلف شبحا يمشي على قدمين في زي امرأة؟!

* هذا المقال فاز بالمركز الاول في المسابقة التي نظمها مركز القاهرة للتنمية وحقوق الانسان للصحفيين للكتابة عن "العنف ضد المرأة".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق