بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 9 مارس 2013

ميثاق للايدز يخلو من توفير محترفات لرثاء الموتى!


سعيد هو اسمي اما حالي في غاية الارتياح، ملقى باهمال على طاولة عيادة طبيب في مستشفي لا اعرف اسمها، الكلبشات مازال اثارها على يدي، لقد توقف عمري عند التاسعة وعشرون عاما مضاف اليهم عدة ساعات قضتها روحي في مصارعة الموت، وطبعا لا تسألوني من انتصر فالاجابة معروفة، والا ما اتى بي الى هنا، غارق في دمائي، ملامح وجهي كادت ان تختفي من اثار ضربات السكين وامواس الحلاقة، اما رائحتي فهي مزيج من الدم والموت، هل تعرفون رائحة الموت؟ انا ايضا لم اكن اعرفها حتى زارني بنفسه وقال لي "اهدأ لم يعد هناك ما يزعجك او يؤلمك حتى انك تستطيع ان تحكي لي حكايتك دون نهاية لاني انا من يعرف النهاية"  قلت له حسنا ساحكي لك حكايتي، فلم يعد هناك ما يخيفني منك الأن"، اما انتم اسمعوا من بعيد فبالتأكيد لن تحبوا ان تقتربوا مني او من صديقي الجديد "الموت"!

هذه بداية قصة لم تكتمل كتبتها عن شخص "مجهول الهوية" تحدثت عنه ارملته في دراسة اصدرتها الجميعة المصرية للدراسات السكانية والصحة الانجابية بعنوان "المرأة في مصر والتعرض لٌصابة بعدوى نقص المناعة المكتسبة/الايدز"، اسميته انا "سعيد" كان سائق لسيارة سرفيس اضطر يوما ان يعمل في "الجنس التجاري" لكي يجد مالا يكمل به بناء الشقة التي من المفترض ان يتزوج فيها وينجب ابناء ويكون عائلة فمات وهو مازال في العشرينات بعد معاناة مع مرض "الأيدز" الذي انتقل بالطبع الى زوجته المتعايشة الآن مع المرض.


في ايام "سعيد" الأخيرة اصيب بآلام في الاسنان وقرح اللثة وتدهورت حالته لدرجة انه لم يكن يستطيع مضغ الطعام، ومن شدة الآلام واليأس قام بسرقة بعض المتعلقات، فقط كان "يكره الحياة" –كما قالت زوجته- واراد انهاء حياته على يد الآخرين، وفي النهائة تم القبض عليه لسرقة هاتف محمول ووضع في الحجز وتوفى بسبب مشاجرة مع بعض المحتجزين لأنه اخبرهم بأنه مريض بالايدز بغرض تهديدهم فأعتدوا عليه بالضرب حتى فارق الحياة!!


يقول ميثاق الشباب الافريقي(المادة 16-و): ان الدول الأطراف في هذا الميثاق تتعهد بـ"توسيع نطاق الاستشارات والاختبارات الطوعية السرية بشأن فيروس نقص المناعة البشرية/ الايدز والتشجيع عليها"!


هذا مبدأ في ميثاق لكن مصر وهي دولة طرف لم تكن ترى "سعيد" وهي تعتبر نفسها جزءا منه تتعهد بنوده بمساعدة "سعيد" وغيره على الحصول على المعلومة والمشورة اللازمة وقت احتياجه اليها مهما كانت وظيفته والطريق الذي سلكه لكي يحصل على المال، "سعيد" وغيره يموتون في عنبر "المناعة" بمستشفى حمايات العباسية كأنهم كائنات غير مرئية للدولة التي وقعت على هذا الميثاق.


"سعيد" لم يكن يعرف اصلا بالمرض وطرق الاصابة به والوقاية منه، والى اين يذهب اذا كان ممن يقومون بممارسات عالية الخطورة لكي يُجري اختبارا "سريا" وهو آمن انه لن يُلقى به الى السجن بسبب مهنته التي يمارسها "نصف الوقت"!


هنا مصر توقع على ميثاق بيد وباليد الأخرى تقسم الناس الى قسمين الاول يستحق الموت مثل "سعيد" في اقسام وسجون الداخلية والقسم الآخر يستحق الموت ايضا لكن مع قليل من الرأفة في عنابر وزارة الصحة!



يقول الميثاق (المادة 16-د) أن الدول الأطراف تتعهد بـ"وضع برامج شاملة للوقاية من الاصابات التي تحدث عن طريق الاتصال الجنسي وفيروس نقص المناعة البشرية من خلال توفير التعليم والمعلومات والاتصالات والتوعية اللازمة وكذلك اتخاذ التدابير الوقائية وتوفير خدمات الصحة الانجابية"!

لقد كنت يوما جزء من تدريب يضم مجموعة من الصحفيين العرب، وقتها قال الجزائريون ان المغرب بعد ضغط على الحكومة هناك استطاعوا ان يضعوا سياسة للوقاية من الأيدز تقتضي "توزيع الأوقية الذكرية بالمجان في السوبر ماركت"، وناقشنا خبرا جاء من كينيا -وهي دولة إفريقية ايضا- يقول انه تم اخيرا انشاء إنشاء محكمة متخصصة لنظر قضايا الإيدز تتولى جميع الشكاوى بشأن قضايا الإيدز وتشمل المتعايشين مع الفيروس في اماكن عملهم ومدارسهم وسفاراتهم وحتى في منازلهم.


أما عن مصر قال المدربون انه إذا استمر تجاهل الحكومة هنا الى وجود اعداد تفوق الاحصاءات السنوية التي تصدرها وزارة الصحة بشأن اعداد المصابين بالأيدز، فكلنا مصابون محتملون في المستقبل، و "كلنا" هنا تضم هؤلاء الذين تخلوا حياتهم من ممارسات عالية الخطورة كممارسة الجنس خارج اطار الزواج او تعاطي المخدرات!

اذا عدنا لقصة "سعيد" فسنجد ان صلب الموضوع يكمن بجانب الفقر والجهل وانعدام الوعي والرعابة الصحية ان نهايته جاء عن طريق اشخاص ظن هو ان "الايدز" كلمة مرعبة لهم فستمنعهم من ايذائه رغم انه اصلا كان يريد انهاء حياته على يد الآخرين، لكنهم ضربوه حتى الموت لان الاصابة بالأيدز في اذهانهم مرتبطة بالوصم والموت فخشوا على انفسهم من ان يصيبهم بمرضه فضربوه ليتخصلوا منه ومن وجوده معهم في زنزانة، فربما-حسب تفكيرهم- يخرجوا يوما ما من السجن لكنهم لن يُشفوا ابداً من الأيدز!


العجيب انك اذا رجعت الى الوراء لمحاولة معرفة جذور ذلك الوصم وتلك النظرة لمريض الأيدز او المتعايش معه فستجد ان الدولة هي المسئولة عن هذا، فعبر سلسلة من الافلام السينمائية زرعت الفكرة ونمتها بكثافة في بداية ظهور اولى حالات الاصابة بالفيروس في مصر في اواخر عقد الثمانينات لتتوقف فجأة عن مناقشة الامر تاركة النظرة القديمة للمرض وللمريض حتى بعد مرور قرابة الـ 30 عاما على ظهور المرض وتغيير النظرة الى المرض والمريض في العالم كله الا لدينا نحن، وكل هذا دون ادنى شعور بالمسئولية عن الجريمة التي اُرتكبت بحق هؤلاء.


لقد شاهدت فيلم اسماء عدة مرات حتى الآن وسمعتها تقول "انا لما اموت مش حموت من المرض بتاعي، انا لما اموت حموت من المرض اللي عندكم انتوا" لكن ماذا يفعل فيلم جاء بعد ثلاثة عقود من فكرة رسخت في عقول الكثيرين ليس بسبب صدقها ولكن لمرور الزمن عليها دون مناقشة او اعادة نظر؟!


"سعيد" وغيره يموتون وسيموت آخرون اذا استمر المجتمع في تجاهل واقعه بأن هناك عاملين وعاملات في الجنس التجاري ومثليين جنسيا ومتعاطين للمخدرات بالحقن يتصدروا قائمة اكثر فئات مصابة وعرضة للاصابة بالفيروس في مصر، وان هناك تلوث في وحدات الغسيل الكلوي وعيادات الاسنان ووحدات نقل الدم في المستشفيات تتسبب في اصابة العشرات بالفيروس كل عام، وان هناك اطباء يرفضوا علاج المتعايشين مع الايدز من امراض بسيطة ويتركونهم يموتوا بأنين مكتوم وشعور بالظلم والاضطهاد، وانه ليس لدينا نظام صحي يضمن اجراءات فعلية للكشف عن الامراض قبل الزواج وليس لدينا منظومة للتوعية بالامراض التي تنتقل عبر ممارسة الجنس، بالاضافة الى ان اذا كان هناك معامل تحاليل للكشف عن الاصابة بالايدز تابعة للبرنامج الوطنى لمكافحة الأيدز فالغالبية العظمى من الناس لا تعرفها ولا تعرف اي وسائل للتواصل معها، كل هذا لان مكافحة الايدز ليست على قائمة اولويات مصر واغلق الدائرة لان النظرة المسيطرة مازالت ان الاصابة بالأيدز وصمة عار والمصابون به لا يستحقون اكثر من ايجاد محترفين لرثاء الموتى!


اخيرا.. ميثاق الشباب الافريقي واي ميثاق يتحدث عن افريقيا من الطبيعي ان تجد ضمن بنوده مبادىء عدة تتحدث عن الأيدز وايجاد وسائل للوقاية منه لحماية الثروة الحقيقية لدي اي شعب وهم البشر، لكن بدون بند الشجاعة في مواجهة المرض والواقعية في مقابل المثالية الزائفة التي نتعامل بها مع المرضى سيصبح الميثاق وبنوده حبرا على ورق سيكون افضل منه لو تركنا الورق ابيض دون تلطيخه بكلمات جوفاء وبنود لن تضمن توفير حياة آدمية لـ"سعيد" وغيره من ضحايا الأيدز في افريقيا ولا حتى موتا بدون وصمة عار تُلصق بسيرته وسيرة عائلته للنهاية. 


لو كنت من عائلة "سعيد" بطل قصتي المجهول كنت سأكتب على قبره الشعار الذي كتبه مشارك عن الايدز في الاحتفالية العالمية للتطوع: "الايدز مش عيب.. العيب هو اننا نفضل نتكلم على إنه عيب وفي الآخر المريض هيموت علشان هو عيب".


فاز هذا المقال بالجائزة الأولى في مسابقة مؤسسة "اتجاه" للتعبيرعن مبادىء ميثاق الشباب الافريقي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق