بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 27 ديسمبر، 2012

كيف تجد فكرة جيدة لريبورتاج صحفي


هل يتعين أن يحتوي كل ريبورتاج جيد على كارثة على الأقل أو على أحد المشاهير؟ على الإطلاق، حسبما يقول المراسل الحائز على عدة جوائز هنينج زوسيبوخ. فبالنسبة له فإن المواضيع المثيرة تحيط بالمرء. وسيوضح كيف يروي المرء قصصاً عادية بأسلوب شيق.

كيف يعثر المراسل على موضوعه؟
في الحقيقة: أنا أيضاً لا أدري بالضبط. غالباً لا يبحث المراسل عن الموضوع، بل يبحث الموضوع عن المراسل. وغالباً ما تكون النتيجة هي الأفضل لأنها لا تحتاج إلى جهد أبداً، فهي موجودة من دون المراسل. 

لكن ما العمل عندما يكون هناك مراسل، ولكن ليس هناك موضوع؟ هل ينفع الحديث؟ التنزه؟ هل هناك حل، وحبذا بأقصر الطرق؟

أعتقد أن المراسل الجيد يعثر على موضوعه بشكل غريزي، ربما يعود ذلك إلى أن الريبورتاج الذي يصل إليه المراسل بشكل قسري سيفقد بريقه سريعاً، وهذا الأمر ليس بالضرورة جوهر الريبورتاج.

سواء التخطيط أو الحدس – يخطر لي أربعة مداخل تقليدية للريبورتاج، هناك بالتأكيد أكثر من ذلك: هناك الدراما، أي جريمة (كالقتل)أو كارثة (كهزة أرضية)، بحيث يقوم المرء بشرح ملابساتها ومسارها وتبعاتها.

وهناك أيضاً عالم المشاهير الذين يستحوذون على اهتمام المراسلين الكبير، ولاحقاً على اهتمام القراء، لدرجة أن مدخل الموضوع يكفي لكتابة نص، يتحول على الأغلب إلى بورتريه.

 وهناك أيضاً نوع من الهيكيلية التوضيحية التي بدأت تتضح معالمها في السنوات الماضية، وذلك لأن الصحافة أخذت على عاتقها مهمة شرح العولمة، كما أن العولمة تضمنت الصحافة أيضاً: فهدف هذه الريبورتاجات هو وصف الروابط العالمية وتأثيرها على الأفراد، سواء في قصص اللاجئين أو في قصص أماكن العمل أو في القصص، التي يتابع فيها المراسل قطعة ملابس قديمة. 

غالباً ما تولد هذه الريبورتاجات على طاولة المكتب، ومن ثم تتحول إلى واقع، وتدور أحداثها في عدة أماكن ولها شخصياتها الأسياسية المتعددة، الذين لهم وظائف مختلفة عادة وينتمون إلى طبقات اجتماعية مختلفة. 

وهناك مدخل آخر يبدو، إلى جانب الريبورتاج الشامل عالمياً، غريباً وركيكاً وبالياً، ولا أجد كلمة مناسبة له، بالرغم من أني أفضله في الوقت الحاضر: قد يمكن تسميته بالحياة اليومية. أو الحياة الطبيعية. أو البحث عن الأشياء القريبة منا التي لم نكن في أغلب الأحيان نعرها اهتماماً طوال السنوات الأخيرة.

 ما الذي يدور في خلد جندي في العشرين من عمره، والذي قرر المخاطرة بحياته في أفغانستان؟ هل ولادة الديمقراطية في بلد تحرر من الديكتاتورية مدرجة في الحياة اليومية لنائب مغمور في أول برلمان منتخب، معبرة أكثر من شخصية رئيس الوزراء؟

ما هي الصورة التي يرسمها الوطن الغني ألمانيا بالنسبة لجامع عبوات متشرد يعتمد كلياً على أنه لا يزال بإمكان نصف المجتمع الغني ترك عبوات فارغة؟ أو، أمر تافه في البداية: كيف تعيش امرأة في سن الرابعة والعشرين في مدينة أيزنهوتنشتات؟ أو طفل في مكان ما في وسط غرب الولايات المتحدة الأمريكية، بعيداً عن المدن الأمريكية، ولكن وسط الجفاف؟

ثمة جانبان، من وجهة نظري، يتعين مراعاتهما عند الخوض في مثل هذه القصص اليومية.
أولاً، على المراسل إثارة الفضول في بعض الحالات، فقد يبدو أن الموضوع لا يداعب المشاعر كفاية. فالقصة لا تسرد بتلقائية، وقد تختفي أحياناً، أو على الأقل لا تظهر لها بداية محددة أو نهاية واضحة، وأحياناً تضيع معالم القصة في منتصف السرد.

ثانياً، وهذا الأمر مختلف عن حالة الدراما أو عالم الشهرة: على المراسل أحياناً اختيار أبطال قصته كما هو الحال بالنسبة لفيلم سينمائي. لماذا الأمر كذلك؟ كثير من الناس المرتبطين بهذه القصص يظنون أن حياتهم طبيعية ولا تستحق أن تروى. 

كما أنه ليس كل جندي في العشرين من عمره يفضل الاستفاضة في الكلام لما يكفي لريبورتاج طويل. وأيضاً لا يمكن ضمان التزام حضور كل مشرد إلى لقاء ثانٍ وثالث ورابع. حسب رأيي، يتعين على بطل قصة يومية أن يؤثر على المراسل ويمده بالإلهام. 

فالمراسل يريد الغوص في حياة بطل قصته. بالتأكيد لن يشعر المراسل بالارتياح عندما يسرد قصته بشخصية غير حاضرة.

وهذا صحيح: فشخصية متشرد منهار جداً قادرة على التحدث إلى وسائل الإعلام غير موجودة أبداً. ولكن هل يعني ذلك عدم وجود شخصية كهذه؟

 في حالات من هذا القبيل أتحدث إلى ثلاثة أو أربعة أشخاص لساعة مع كل منهم، قبل أن أتخذ قراراً.

ليس المهم فقط هو ما يرويه لي هذا الشخص، بل أيضاً طريقة حديثه، كأن يتحدث مع المراسل بحرية (دون سذاجة!) ومن ناحية أخرى أن يكون حاضراً، وليس مهوساً بالظهور في الصحف. من المهم بالنسبة لي أيضاً أن يعطي بطل القصة انطباعاً ودوداً إلى حد ما.

كيف يبدو أن لا علاقة لذلك بالعمل الصحفي، لأنه ينبغي أن تكون الصحافة نقدية (وهكذا يجب أن تكون الحال تجاه الشخصيات العامة)، لكن في ريبورتاج عن شخص عادي جداً، لا يلعب التعاطف مع الشخصية دوراً هاماً من الناحية الحرفية: أنا واثق أن المراسل يتأنى أثناء عملية التقصي أكثر من الوقت الذي يقضيه مع الشخص الذي سيكتب عنه لاحقاً. هذا في حال أنه كان مهتماً به بالفعل ويريد الوثوق به واستكشاف ما هو مدهش في حياته. في حال لم يكن الأمر كذلك فغالباً ما سيؤكد الريبورتاج الأحكام المسبقة القديمة أو الازدراء بالناس البسطاء. لكن هذا لن يكسب القارئ أية معرفة جديدة. بل سيتعرف القارئ على شيء من غطرسة الكاتب فقط.

عندما لا يرتكب المرء هذا الخطأ، سيُفتح كل مرة تقريباً (للمراسل أثناء التقصي ولاحقاً للقارئ) عالم موازٍ لم يكن بالحسبان. عالم موازٍ يكون أحياناً قريباً جداً من الذات، لم يكن بالإمكان رؤيته البتة لولا الريبورتاج. كأن يروي المتشرد مدى أهمية بقاء اليدين خارج كيس النوم أثناء نومه، لكي يتمكن من الدفاع عن نفسه عندما يتعرض لاعتداء. أو عندما يسمع المرء بعد عودة الجندي الشاب من أفغانستان، كيف أصبح الابن يروي لأبيه قصصاً عن الحرب. يبدو أن الزمن قد تغير!

في أفضل الحالات يقدم المرء لقرائه قصصاً تبقى عالقة في ذاكرتهم لفترة طويلة، وهذا يعود لأنها قصص تصادفهم في حياتهم اليومية دائماً. في حين ينسى المرء الدراما في أغلب الأحيان.

 هنينج زوسيبوخ هو مراسل صحيفة "دي تسايت" الأسبوعية. وقد حازت مقالاته العديد من الجوائز الصحافية المرموقة في ألمانيا، من بينها جائزة تيودور فولف وجائزة إيغون إيرفين كيش. (نقلا عن موقع اكاديمية دويتشه فيله)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق