بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 22 ديسمبر 2012

قصة قصيرة: في عربة قطار خالية


كانت تعرف وهي تسند رأسها على الحائط بجوار جسد مخدومتها انها لن تنام، وان تلك السيدة التي مثلت بالنسبة لها الامان لسنوات طوال لن تصبح غدا كذلك وان عليها ان تفكر منذ الآن كيف ستتصرف بعدما انهار عالمها للمرة الثانية.

سمعت نيفين اصوات أرجل تدخل في تمهل فقفزت من مقعدها لتسأل الطبيب عن "الحاجة نادية" وهل لديها فرص في النجاة ام لا؟ رغم انها تعرف الاجابة مسبقا الا انها سألت لربما حدثت المعجزة وظهر الأمل، لكن الطبيب قال بهدوء وبنبرة خالية تماما من اي تفاؤل: "الحقيقة يا استاذة نيفين مفيش أمل في شفاء الحاجة نادية.. احنا متوقعين وفاتها بين لحظة والتانية"، واستدرك وكأنة احس ان لكلماته وقع الرصاص عليها فقال:"طبعا الاعمار بيد الله واحنا بنعمل اللي علينا لكن كل المؤشرات لغاية دلوقتي بتقول ان الحاجة مش مستجيبة لاي علاج، لكن الأمل في ربنا كبير".

خرج الطبيب وعادت نيفين الى كرسيها مرة اخرى بعدما لم تجد في كلمات الطبيب المعجزة التي تنتظرها، وبدأت الدموع تنهمر على خديها، وقتها لم تعد تدري أهي دموع الحزن على الحاجة نادية ام على المجهول الذي ينتظرها ام على الماضي الذي لن يصبح ابدا بعيدا، فقد ترك هو الآخر بصماته على جسدها الى ان ترقد على سرير الحاجة في انتظار المصير نفسه.

كانت نيفين طالبة جامعية لا ترى نفسها جميلة ولكنها كانت تعرف ان لديها جاذبية خاصة، طالما قالت لنفسها انها تشبه "سعاد حسني" ذات ملامح عادية لكنها تشع كالشمس.

لم تكن اجتماعية ولا متعددة العلاقات خاصة مع زملائها الرجال، كانت تفضل ان تقتصر كل صداقاتها على الفتيات ولم تخرق هذه القاعدة ابدا الا ان قابلت "هشام"، في سنوات الجامعة الاولى كانت دائمة السخرية منه كان صوته ذو نبرة غريبة حادة ولها وقع غير محبب في الأذن ولذلك اسمته "المنبه" وكان كلما تكلم في المحاضرة ابتسمت ونظرت اليه كانه كائن غريب سقط لتوه من "المريخ"، وفي مرة حاولت التحدث اليه لتسمع صوته عن قرب فسقط الورق الذي بيده بمجرد ان اقتربت منه فضحكت ولم تعاود المحاولة مرة اخرى.

وقتها ادركت انها لم تكن تحبه، فقط مجرد اعجاب عابر بشاب وعندما اكتشفت مدى خجله اقتنعت انه ليس مناسب لها، فعرفت اول مواضفات من تريده "حبيبا" ان يكون قوي الشخص وجريء ولم يكن هشام كذلك فنسيته ولم تعد حتى تسخر من صوته الغريب.

بعد التخرج امضت شهورا طويلة تفكر ماذا تريد ان تحقق في حياتها القادمة وان تجد هدفا لا يحتاج الى مجهود كبير في تنفيذه، ولم يكن يضايقها ان تقضي اسبوعا تأكل وتشرب وتقرأ وتنام في غرفتها دون ان تخرج منها، الى ان اتصلت بها صديقة لها تعرض عليها عملاً، مضيفة في كافتيريا كبيرة في المهندسين.. قبلت دون تفكير ودون حتى ان تاخذ رأي والديها، ودون ان تسأل عن المرتب ولا اي تفاصيل..

ظلت تعمل لشهور لم تسأل نفسها يوما هل هي سعيدة بعملها هذا؟ هل سيحقق لها ما تريده؟ فقط تعمل وتعمل، ربما مثلت الكافتيريا مكانا آخر يشكل حاجزا بينها وبين المجتمع في الخارج، لطالما كانت تعشق الاسوار وان تقبع خلف الجدران دون ان تشكوـ صحيح انها في الكافتيريا تقابل اشخاصا جدد كل يوم ولكن بالنسبة لها كان عملا روتينا لا يوجد به اي مخاطرة، هي تلتزم بالقواعد وجدران الكافتيريا تحميها.

ظلت ايامها بلا اسئلة ولا ملامح حتى بلا طموح، الى ان قابلت شاب حضر الى الكافتيريا في الصباح الباكر وكأنه كان ينتظر ان تُفتح ابوابها، ملامحه مألوفة اسمر وليس بطويلا ولا قصير يمسك في يديه حقيبة "اللاب توب" ويتحرك في الكافتيريا بثقة وكأنه يعرفها تماما ولديه فيها مكانا محجوز رغم انها المرة الاولى التي تراه فيها!

ظل يحضر الى الكافتيريا يوميا في نفس الميعاد يتناول نفس المشروب، ويقوم بنفس الحركات حتى الابتسامات كانت دوما ثابتة لدرجة انها فكرت انه "انسان آلي" وليس بشريا، الى ان تحدث اليها لى غير المعتاد وسألها عن تعليمها وعمرها وابدى اعجابا واضحا بعملها وبملامحها ايضا، وانهى كلامه بسؤال قاله على عجل لدرجة دفعتها ان تسأله ان يعيد ما قاله مرة اخرى فقال لها بهدوء وبطء عجيب: "عندك.. حاجة.. بعد الشغل.. النهاردة؟!"، صمتت قليلا واشارت برأسها ان "لا" فرد هو بدوره:"اذن لا تمانعي ان اعزمك على الغداء"، هنا هتف صوت بداخلها هذا هو ما تبحث عنه، فوجدت نفسها بدون تفكير طويل تشير برأسها مرة اخرى لكن مع ابتسامة اي "نعم"!

كانت تراه وسيما وجريئا وجذابا في الوقت نفسه.. يجيد الحديث وملىء الفراغ حولها حين تصمت ويجيد الانصات لها حين تتحدث.. كانت تشعر ان بداخل "شيء" يدفعها لان تكن مشاعر خاصة له بداخلها.. وكانت دائما ما تسأل نفسها "ولم لا.. ولم لا؟!"

ظلا لشهرين يتقابلا ويتحدثا هاتفيا.. يخرجان ايام العطلات وبعد انتهاء ساعات عملها.. ادركت انها تعلقت به فعلا ولن تستطيع ان تعود مرة اخرى الى ما قبل ان يظهر في حياتها.. عرض عليها مرة ان تأتي لتشاهد شقته "الفاخرة" فذهبت دون اعتراض او ان تقول مثلما تفعل ممثلات السينما في الموقف نفسه..

بعد ذلك بأيام توقفت عن اتهامه بانه كان السبب فيما حدث، اعترفت لنفسها بالحقيقة.. بأنها كانت تعرف ماذا سيحدث وكانت تريده ولم يكن شيء بداخلها يرفضه بل ينتظره، لكن ظل الصوت يتردد بداخلها "لم تعترضي.. لم تلوميه.. لم تطلبي الزواج منه.. لكن لماذا اختفى.. لماذا..؟!

ظل لاسابيع بعدها غائب وكأنه كان طيف في حلم ولم يكن ابدا حقيقة.. بحثت عنه في كل مكان لكن لا اثر حتى الشقة التي كانت مكان لاخر لقاء بينهما تركها لكن الى اين.. لا احد يعرف!

نيفين لم تعد كما كانت. لم تعد تنتظر شيئا، حتى عملها تركته وعادت الى غرفتها الى العهد القديم وقت ان كانت تنام وتقرأ وتأكل بين جدرانها الاربعة دون ان تخرج لاسابيع لكن هذه المرة لم تستطيع ان تنتهي من كتابا واحدا، ولا تجد مذاقا لطعام حتى النوم هجرها هو الآخر ليحل محله ارق دائم عصف بها وشق روحها لنفسين مع هذا الصوت الذي لم ينم هو الآخر ليشغل نفسه بعشرات الاسئلة اولها: ماذا بعد؟

وفي صباح احد الايام تعرضت لوعكة صحية من اعراض عدة لم تستطيع تمييز اي مرض هذا، هل اصاب شيئا معدتها، ام برد ام سوء تغذية وانيميا، الاطباء اخرجوا ما في جعبتهم، والادوية لم تعد تجدي نفعا لدرجة انها لم تعد تسطيع ا تقف على قدميها الى ان نصحها طبيب ان تجرى عدة فحوصات طبية اخرى ربما يعرف ماذا اصابها.. نظرت في "الروشتة" بوهن فوقعت عيناها سريعا على "تحليل HIV" سألت الطبيب عنه مستنكرة: هل كتبت ان علي ان اجري فحص "الأيدز"؟!!

رد الطبيب بنبرة هادئة لا تتناسب مع انزعاجها بالمرة:"هذا فحص روتيني لا بد منه في مثل حالتك!!"

هناك في عربة السيدات الخالية في مترو الانفاق.. في ساعة متأخرة من الليل تمسك بنتيجة التحاليل التي لسوء حظها كانت ايجابية، وفي الورقة الاخرى رقم تليفون جمعية اهلية نصحتها بها الطبيبة في مركز التحاليل المتخصص الذي زارته، قالت لها ان تلك الجمعية ستساعدها لأنها من اليوم ستحتاج الى عناية خاصة.

لم تستطع ان تبكي وظلت في المترو الى ان وصل الى محطته الاخيرة في آخر رحلة.. المحطة مظلمة والقطار هو الآخر اُُغلقت انواره واصبح مخيفا ولكن الغريب انها لم تخف من وجودها فيه وحيدة بل كل ما كان يخيفها المصير الذي ستؤول اليه الآن، وكل جزء فيها حزين على الماضي الذي رفض ان يمضي واصر على ان يترك بصماته الواضحة على جسدها "الى الأبد".

في الصباح عبر نفس القطار ذهبت الى "الجمعية" وتحدثت الى مسئوليها طالبة المساعدة، بل وطلبت اكثر من المؤازرة النفسية، سألت المسئولة ان تساعدها في ايجاد فرصة عمل فهي لن تسطيع العيش في منزلها بعد اليوم، هي تحتاج ان تبتعد لفترة طويلة حتى تخبر والديها عما اصابها ولماذا اصابها؟

في اليوم التالي كانت في بيت "الحاجة نادية" بتوصية من الجمعية كمديرة منزل ومساعدة للسيدة، التي هي ايضا وحيدة مثلها و"متعايشة" مع فيروس الأيدز منذ اعوام ليست بالقليلة.

لم تمضي الا بضعة ايام واصبحتا صديقتين لدرجة احست معها نيفين ان "الحاجة نادية" اصبحت اقرب اليها من والديها، ربما انها لم تعنفها على ما فعلت مع الشاب ولم تلومها على شيء، عاشا معا لخمسة اعوام اخرى مثلت الامان لنيفين التي وجدت ماوى ولم يشغلها يوما امر العلاج باهظ الثمن، وللحاجة نادية ايضا التي كانت اكبر مخاوفها "ان تموت وليس بجانبها احد".

لكن الايام عادت لتلقي بنيفين من جديد في منتصف موجة عالية، فجأة اصيبت "الحاجة" بوعكة صحية انتقلت بسببها الى المستشفى "تحت الملاحظة" لأيام قبل ان ينتهي الاطباء ان فرصها في التحسن ضعيفة، وانها تسعد للرحيل لعالم آخر بدون اوجاع، لكن هذا الاعلان حمل لنيفين انذار بالاستعداد للرحيل لمكان آخر "غالبا" هو فوهة بركان.. مواجهة عائلتها!

غادرت الى المكان الوحيد الذي يستقبلها دون ان يسألها الى اين.. الى مترو الانفاق عربية السيدات الخالية الا من امرأة هنا واخرى هناك.. هنا آخر ركاب القطار في رحلته الاخيرة ليوم طويل.. بعد محطتين وربما ثلاثة اصبحت بمفردها مع صوتا بداخلها يطالبها بسرعة اتخاذ قرار وايجاد مأوى، لم تسطع يومها ان تجد اي اجابات واجبرت الصوت ان يتركها حتى الصباح.. فنامت مكانها في عربة المترو المظلمة الساكنة.

مع اول ضوء للشمس استيقظت فقد بدأ القطار هو الآخر يومه.. اصبحت ولديها اطمئنان غريب "اين ذهب الخوف؟"، طمأنت الصوت بأنها وجدت اخيرا المأوي.. نزلت في محطة رمسيس واخذت تهرول بداخلها حتى وصلت الى شباك تذاكر "محطة مصر" وقالت بصوت "متهدج" من اثر الجري: تذكرة اسكندرية درجة تانية لو سمحت.

نظر اليها عامل التذاكر  وقال: "لكن القطار سينطلق حالا.. الافضل انتظري الذي يليه".. قالت له بصوت حازم وعيون متحدية "لا.. بل سأركب هذا القطار لن انتظر".

أخذت تذكرتها في يد وحقيبتها في اليد الاخرى، واستأنفت الهرولة الى رصيف القطار وفي اذنيها تدوي صفارة الانطلاق.. صفارة بدء حياة جديدة بدون جدران.


تمت

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق