بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 29 أكتوبر، 2012

رحلة في عقل متحرش!



غريب أن يقترن العيد لدينا بالتحرش وحوادث التحرش وأخبار التحرش وكأن الله جعل العيد للرجال ليتحرشوا بنا، لكن ما العمل اذا كانت الظروف اجبرتنا بشكل أو بآخر ان نحتفل بالعيد ونتحدث عن التحرش في آن معا ونستبدل عيدكم سعيد بـ"عيدكم تحرش"!

منذ فترة افكر في "المتحرش" هذا الشخص "بطل أفلام العيد الواقعية بلا منازع" ومحاولة تخيل من هو؟ وماذا يدور في رأسه وهو يعد نفسه كل يوم للنزول الى الشارع لعمل او للدراسة أو حتى للتنزه فيتحرش بالنساء والفتيات في الحدائق والشوارع والأسواق وفي أماكن العمل وفي قاعات السينما واحيانا كثيرة في الجامعات وفصول المدارس.


عن نفسي لم أحاول اجراء حوار مع متحرش واسأله بود او حتى بعنف لماذا تفعل هذا؟! لاني اذا فعلت مع شخص فماذا سأفعل مع الباقيين وفي كل متر نسير فيه نجد متحرش وكأنهم قد فرغت حياتهم وعقولهم من كل شيء ولم يبقى فيها غير النساء والتحرش بهن بالسب تارة واللمس تارة اخرى.


اعذرني سأحاول ان اتخيل اي عقلية تلك التي تتحكم في المتحرش الذي نجح باقتدار أن يحول حياتنا الى "جحيم" وبالمناسبة هذه ليست مبالغة، وطبعا سأستبعد الحجج الاثيرة لدى البعض لتبرير ذلك هي سوء التربية وتحت تأثير الحشيش وهيعملوا ايه اصل الظروف صعبة ومفيش جواز.


لنبدأ بحقيقة "علمية" معروفة لدى النساء بأن الرجال تدور في رؤوسهم أفكار عنهن، فهم مهتمون بهن للغاية ومهتمون ايضا بايجاد أوصاف مناسبة لاجسادهن، فعندما يروا امرأة ما تمر من أمامهم فيقولوا مثلا هذه "جميلة" وهذه بشعة، هذه جسدها "......" وهذه صدرها "....".. وهكذا، وطبعا الالفاظ التي يستخدموها للوصف تختلف حسب ثقافة كل شخص وقاموسه الخاص، والكثيرين منهم يستخمون الفاظ أقل ما توصف به انها "بذيئة". 


وهذا ينقلنا مباشرة للمتحرش رقم "1" فهو يحاول ان يلمس الجزء الذي لفت انتباه، وهذا طبعا الأجرأ بين اقرانه فهناك من سينظر نظرة لها معنى وهناك من سيشير وهناك من سيتحدث بصوت عالي، وآخر سيسبها لكن "الاكثر جرأة" من سيلمسها ويقوم بالأسوا حتى يكسب نقطة في مسابقة الزعامة على اقرانه.


بالمناسبة تذكرت الآن واقعة عندما كنا في الصف الول الثانوي كنت ومجموعة من زميلاتي نستخدم مترو الأنفاق للوصول للمدرسة واثناء العودة قام شاب -تقريبا في المرحلة الثانوية ايضا لكنه كان اكبر قليلا- بتقبيل زميلة لنا في المحطة ولن تصدق اذا قلت انه قام بذلك وهي بداخل المترو وهو خارجه عن طريق الشباك، لكن هذا ما قد حدث بالفعل، وطبعا المسكينة ارتبكت وبكت في حين انه ظل يضحك بصوت عالي هو واصدقائه وهو يقول لهم "شفتوا.. شفتوا"!!


أما المتحرش رقم "2" ربما يتعرض باستمرار لافلام وصور اباحية يتداولها مع زملائه أو يراها منفردا ليست هذه القضية، فيصبح بدرجة أو بأخرى معتادا على ما يرى وبعدها يصل لمرحلة "لماذا لا اقلد ما اراه؟" أو على الاقل يتحرش اذا كان هذا هو "الخيار المتاح والاكثر آمناً"، فأول سيدة يراها يتحرش بها "وهي وحظها" في نوع التحرش الذي ستناله، وطبعا في ذهنه انه على قدر الفعل وبشاعته ستصمت هي عملاً بمبدأ "محدش بيحب يفضح نفسه"!


هناك ايضا الشاعر بالفراغ وهو المتحرش رقم "3" هو من هذه الفئة التي تقف خارج المحلات في انتظار الزبائن، وبما إن مفيش زبونة دخلت المحل ليتحرش بها، فالمارة أمامه لابد أن تاخذ نصيبها بالكلام البذيء مرة وباللمس مرة أخرى أو بالتهويش باللمس، وأحيانا تجد واحد يقول "انتي مش ناوية تتوبي بقى" أو "ربنا يرحمنا منكم" أو "الله يخربيتكم"، وأنا عن نفسي واحد شيخ مسن وقف مخصوص لي ليقول في عرض الشارع وبصوت مسموع "الله ينتقم منك"، وما سبق ببساطة يمكن ترجمته على إنه طريقة جديدة و"مبتكرة" في التحرش تليق بمجتمع متدين بطبعه؛ لان الطرق القديمة  و"الكلام الحلو" بطل من زمان من ايام عبد الفتاح القصري لما كان بيقول "يا صفايح الزبدة السايحة"!


المتحرش رقم "4" هذا نموذج مختلف قليلا فهو لديه عقد نقص من نوع ما ولديه احساس إنه غير مرغوب فيه من النساء فماذا يفعل؟ يتحرش بهن في الشوراع والحدائق والسينما، بالمناسبة هناك من يقول انه ربما تجد متحرش حالي تعرض للتحرش في صغره فقرر التحرش بالفتيات والسيدات كنوع من الانتقام لنفسه لكن طبعا رأيي ان هذه حجة باطلة وليست مبرر على الاطلاق.


المتحرش رقم "5" هاوي يعني التحرش بالنسبة له هواية كهواية جمع الطوابع والجرى وراء الفراشات، فلا يستطيع ان يتخيل يومه دون أن يقول كلام بذيء لامرأة أو يلمس جسدها او يحتك بها في الاماكن الزحمة أو الميكروباص او اتوبيس النقل العام اللي بـ 50 قرش، لكي يذهب الى بيته في نهاية اليوم وهو مستريح وسعيد ومبسوط من ادائه فيعطي لنفسه 10 من 10 ونجمة.


هناك نوع جديد ظهر وهو المتحرش بالأجنبيات خاصة لو كانوا مذيعات "حلوين" وهذا النوع الذي يفضل المستورد عن المحلي، فيرى في هذه الوافدة "صنف جديد" لسه نازل السوق فيريد أن يجربه وطبعا هو ضامن بنسبة كبيرة انها اكثر ما ستقوم به هو الاستغاثة وغالبا محدش هيعبرها، أو الجرى اذا كانت محظوظة ونجحت في الهرب بأقل الخسائر.


وطبعا سترفع حاجبك معترضا على استخدامي "صنف جديد" والتعبيرات الخاصة بالبضائع في السوق.. طبعا ردى لا تتعجب فهذا هو المعادل الموضوعي للنساء في عقلية "المتحرش".


أما رقم "6" فهو لا ينتمي للعاصمة والمحافظات المزدحمة فهو ينتمي لهؤلاء الذين يسكنون المناطق الأبعد في الصعيد مثلا او سيناء، عندما ذهبت يوما ما الى العريش قلت لصديقتي بثقة "طبعا هنا مفيش متحرشين" ردت هي بثقة ايضا "لأ فيه وظهروا بكثرة نوعا ما بعد الثورة وغياب الشرطة وضعف تأثيرها في الشارع".


طبعا غريب في مجتمع يعرف افراده بعضهم بعضا والنساء يحظون بحماية من نوع خاص ، لكن فهمت بعدها ان هذا المتحرش الجبان يتحرش بفتاة إما أن تصمت وطبعا يبقى محظوظ،  أو تذهب الى ابوها او أخوها وهم يتصرفوا لانها ببساطة تقول لهم فلان ابن فلان تحرش بي، ويكون عقابه حسب ما تقرر العائلة، وهذا سبب ان حوادث التحرش قليلا هناك بشكل عام بالمقارنة بالقاهرة، وهناك ايضا المتحرش الذي اصلا ليس من اهل المنطقة وجاء للعمل ولا يعرف القوانين التي تحكم المجتمع هناك فطبعا بعد ما تشكوا الفتاة ينال عقابه مثلما اتفق فيضطر اسفا انه "يحترم نفسه".


وتصورت للحظة ان الأمر مشابه في قرى الصعيد لكن تذكرت الفتاة "إيمان" التي قتلها المتحرش لانها ببساطة دافعت عن نفسها ولم تصمت، فالفتاة تعرفه، لكنها اختارت ان تدافع عن نفسها بنفسها فقتلها لانها سبته، بمنطق الرجل الذي من حقه ان يفعل ما يشاء واذا اعترضت نالت "عقابها" رغم انه المعتدي من البداية!


وللأسف نفس المنطق مطبق في مصر بصورة أو باخرى فالتحرش في جوهره وظاهره اهانة، ولا أحد يحاول اهانة الآخر الا اذا رآه مخلقو اقل منه وليس له مثله من الحقوق والمكانة، وبالتالي التحرش فعل عادي من شخص يرى المراة أقل منه مثل السيدة التى تهين خادمتها والرئيس الذي يهين مرؤوسه.. الخ.


أنا لست محللة نفسية ولا ارغب بذلك على كل حال لكن ارادت بما سبق ان أفكر في هذا المتسبب بالرعب في الشوارع، وتُقام لحمايتنا منه الحملات والمبادرات بلا جدوى وكأننا نحارب سراب او مخلوق فضائي، وحتى الآن لم نجد وسيلة ناجحة لبتر هذه الظاهرة التي تحولت الى جزء من حياة النساء في مصر.


نحن مهما فعلنا نكلم أنفسنا وهو ربما لا يسمعنا اصلاً ولا يهتم بما نقوله فهو في عالمه الخاص، لا تفرق معه منتقبة او محجبة او سافرة ، مصرية أو اجنبية، جميلة أو قبيحة، صغيرة أم كبيرة فالتحرش بالجسد اصبح نمط حياته بغض النظر هذا الجسد لمن!!


هذا ببساطة ردا على منطق من قاموا بحملة توجه للنساء بعنوان "لا تكوني سببا للتحرش" فالمنطق الذي يواجهوا به المشكلة منطق اعوج يقلب الحقيقة ويجعل ملابس المتحرش بها هي السبب وهم يعلمون ان معظم المتحرش بهم هن اصلا محجبات ومنتقبات، فما هي الخطوة التالية: اجلسوا في بيوتكن ولا تنزلوا الى الشوارع لتصبح آمنة للمتحرشين"!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق