بحث هذه المدونة الإلكترونية

الخميس، 27 سبتمبر، 2012

قصة قصيرة: سوداء


في صباح يوم صيفي ثقيل الظل من أيام شهر يونيو الحارة، وعلى صوت مدحت صالح يغني "رفضك يا زماني يا أواني يا مكاني انا عايز اعيش في كوكب تاني" ارتدت ملابسها استعدادا للخروج للعمل، وهي تعطي ظهرها –كالعادة- للمرآة الكبيرة التي تتوسط غرفتها، تلك المرآة التي اصرت "دعاء" صديقتها المقربة ان تحضرها لها في عيد ميلادها الخامس والعشرون، واختارتها كبيرة بحجم جسدها حتى ترى نفسها صباح ومساء، كانت تحاول ان تساعدها ان تتقبل شكلها، لكن بلا جدوى فبعد ان ودعتها "دعاء" غطتها بوشاح قديم غامق، حجب المرآة بالكامل وكأنها اثاث قديم.

الا هذا الصباح وجدت نفسها –بدون سبب واضح- تزيل الوشاح وتنظر الى المرآة ممسكة حجابها بين راحتيها، وراحت تحدق في وجهها الاسود بوجنتيها العاليتين وعينيها الواسعة وانفها الصغيرة الذي يعلو شفاه ممتلئة وأسنانها البيضاء الناصعة وجسدها الذي جاهدت ليكون انحف، بدأت تفكر هل ارتدي هذا الحجاب ام لا؟.. وجاءها الصوت بداخلها طبعا لا.. امازلتِ تسألين؟ هل نسيتِ انك كرهتيه وكرهتي شكلك فيه من زمن.. لماذا تصري على ارتدائه ؟!!

كان مدحت صالح قد وصل بغنوته الى مقطع "فيه سد منيع.. عالي وفزيع بيني وبين نفسي بين روحي ورسمي، بين يومي وأمسي.."، عندما القت بالحجاب بعيدا والتقطت المشط لكي تمشط شعرها المجعد الاسود القصير، بسرعة اخذت تمشطه لكي تلحق بعملها وهي تقول لنفسها:"ليس هناك وقت للتردد".

التقطت حقيبتها الكبيرة التي ضاقت بما تحمله من اوراق وكتب كأن صاحبتها مستعدة دائما لسقوط منزلها او لهروب قريب..خرجت مسرعة حتى لا يراها اي من افراد اسرتها، فهم لم يتهيوأ بعد لقرارها المفاجىء، وتركت خلفها مدحت صالح يبكي على عالمه وزمانه واوانه.

في الطريق كانت كلمة "يا سوداء" تلاحقها وكأن مرددوها بينهم اتفاق ان يذكروها بحقيقة لونها حتى لا تنساه، هي تعرف ان تلك الكلمة تحمل في طياتها تحرش جنسي، لكنها ماذا تفعل والكلمة من كثرة ما سمعتها اصبحت تتردد في اذنها حتى وهي في غرفتها، ماذا تفعل والجميع باستئناء عائلتها وزملاء عملها يعاملونها كسائحة افريقية جاءت تبحث عن عمل او تتنزه بنقودها البسيطة، بمنطق لو كانت غنية لما جاءت الى مصر!

في انتظار سيارة الاجرة التي ستلقي بنفسها فيها هربا من عيون الناس الساخرة ولسانهم الموجع، مر على خاطرها كالبرق ذكريات قديمة عندما كان زملائها في المدرسة يسألونها لماذا انتي سوداء؟، أو ينادونها دوما بـ"شيكولاتة"، واكثرهم قسوة كان يمسح يده على وجهها ثم ينظر الى يده بازدراء كما لو كانت اتسخت عندما انغمست في لونها الأسود.. وعندما وصلت سيارة الأجرة تنادي باهتمام "تحرير.. تحرير"  حمدت الله على ان الكرسي بجوار الشباك فارغا، فالطريق طويل ولا يحتمل ان تجلس متوسطة من سيبذلون جهودا مضنية لكي بيتعدوا عنها او يبعدوا اطفالهم حتى لا تخيفهم بلونها "الغامق".

سقطت الدموع فجأة على وجنتيها لكنها تعرف ان ذلك بسبب تلك الذكرة التي هبطت عليها من جديد بدون سابق انذار، يوم ان ذهبت لصديقتها لتأخذ منها كتاب "سلاح التلميذ" لكي تراه والدتها قبل ان توافق على شرائه لها، في الطريق انقطع النور لم تفزع مثل بقية الأطفال في الشارع، لكنها توقفت لتسأل نفسها "هل اكمل الطريق ام اعود الى المنزل حتى يأتي النور من جديد" بسرعة اتخذت قرارها واكملت طريقها فقد اصبحت قريبة جدا من منزل صديقتها، وبهدوء طرقت بيدها الصغيرة على "الباب" مر وقت قبل ان يفتح الباب لتجد صديقتها تصرخ بصوت عالي وتغلق الباب بسرعة وهي تقول "عفريت يا ماما"، لم تشعر بنفسها الا وهي تبكي وتنزل السلم بحذر خوفا من ان تسقط.. عاد النور لكنها لم تعد الى منزل صديقتها فهي لم تعد تريد كتبا، فالعفاريت ليسوا بحاجة الى كتب!

"هاهو المكتب اخيرا".. قالت لتفسها، وقبل ان تضغط على الجرس فُتح الباب وكأن هناك من يقف بأنتظارها، وقبل ان تبدي تعجبا او تفتح فمها لتقول حتى صباح الخير باغتتها زميلتها:"نورا لابد أن تسافري كينيا.. هناك مؤتمر سُيعقد غدا والخبر وصل للتو.. استريحي قليلا واذهبي الى السفارة لتأخذي التأشيرة على جواز السفر ثم حضري نفسك بسرعة فالطائرة ستُقلع في العاشرة مساءً من مطار القاهرة"!!

لم تأخذ بالها انها لم ترتدي حجابها اليوم، ولم تعطها فرصة للاعتراض فالوقت اضيق من ان تفكر بالسفر، فماذا تفعل في تلك الساعات القليلة.

قالت بهدوء لا يتناسب مع حيرتها:"واي مؤتمر هذا الذي يُعقد بهذه السرعة.. ولماذا يجب ان اذهب أنا؟"، بنفاذ صبر ردت زميلتها:"هذا مؤتمر يعقد كل عام في دولة افريقية مختلفة وهذا العام في كينيا، سيجمع عدد من المنظمات الافريقية والدولية التي تعمل على حقوق النساء وستفقوا خلاله على خطة عمل خلال عام، كما انه فرصة للحصول على تمويل من المؤسسات المانحة"، وتابعت: "لا يوجد غيرك الآن يمكن ان نرسله فالبقية مشغولين جدا، لكن لا تقلقي فقد جهزت لكي المعلومات التي ستحتاجينها ولو وجدت اي معلومات ناقصة اتصلي بي انا هنا في المكتب حتى المساء".

قالت وهي تلتقط الملف:"آه من تلك الرحلة التي لم تكن على البال ولا على الخاطر.. الأمر لله".

في الثامنة تماما كانت على ابواب المطار محملة بحقيبتين في يديها وثقل هموم على صدرها بعد مناقشة حادة دارت مع والدتها التي لم تفهم لماذا قررت خلع حجابها فجأة، ولماذا تسافر بهذه السرعة، وخرجت وكأنها هاربة بدون عودة!

كانت اول من يدخل الى الطائرة ويجد مقعدها بجوار الشباك.. قالت لنفسها "هذا أفضل، ولو أن هنا على متن طائرة متجهة الى كينيا ليس هناك حاجة للاختباء" وابتسمت ابتسامة خفيفة عندما قال الصوت بداخلها "الهروب جاء اسرع مما توقعتي"!

ليست المرة الاولى التي تسافر فيها ولكن في كل مرة تشعر ان ركوب الطائرة يجعلها مشدودة لان تعيد سيرتها على نفسها من جديد ويجبرها ذهنها على استعادة مشاهد رئيسية من حياتها كما لو كانت على وشك أن تفقد ذاكرتها او تكذب بشأن ماضيها.

وضعت سماعة الأذن واستمعت كالعادة الى صوت مدحت صالح فهو الوحيد الذي تجد لديه ما يشبع مزاجها المتقلب بين الفرح والحزن بين اللحظة والأخرى مثل كومبارس تقف باكية في مشهد عزاء ثم راقصة في فرح شعبي!

قبل أن تغلق عينيها استعدادا لتحمل ثلاث ساعات كاملة حتى تصل الى مطار "نيروبي" رأت "الآن ديلون" على غلاف مجلة لم تهتم بمعرفة اسمها بقدر ما اهتمت بالامعان في النظر الى وجه أول رجل أحبته في اولى سنوات مراهقتها ذلك الفرنسي ذو البشرة البيضاء الفاتحة والشعر الاشقر والعيون الزرقاء الساحرة والجسد الممشوق كعارض ازياء، بعد ان رأته صدفة في فيلم قديم عرضه برنامج "بانوراما فرنسية" الذي كانت العائلة تلتف لمشاهدته في مساء كل يوم اثنين.

ابتسمت ابتسامة واسعة اظهرت اسنانها البيضاء المتناسقة ثم انهتها فجأة عندما عكست عيونها صورتها كسوداء عرفت فيما بعد ان امرأة مثلها لا يمكن لها ان تحب الا اسود حتى لو كان ذلك في ثنايا الخيال، فتحولت بعدها لحب ويل سميث ودينزل واشنطن وباراك اوباما لتصبح بعدها صفحتها على الفيس بوك مساحة للتغزل فيهم وفي كل نجم اسود جديد يظهر على الساحة!

كان الآن يتصدر غلاف المجلة بمناسبة صدور كتابه "نساء في حياتي" الذي يحتوي على البوم صور للنساء الذي عرفهن وصادقهن وأحبهن. هو الآن فوق السبعين ولكنه مازال وسيما مثلما كان في الفيلم الذي شاهدته.. تذكرت انها لا تعرف حتى اسم الفيلم ولا ماكان اسم "الآن" فيه كل ما تتذكره هو كيف كان رقيقاً في معاملة زوجته وحبيبته وكيف اُعدم في النهاية على جريمة لم يرتكبها، ذلك المشهد الذي ابكاها على الرجل الذي احبته من أول نظرة!

القت بالمجلة جانبا وسرحت مغمضة العين الى أن نامت ورآت نفسها ترتدي زيا افريقيا بدون اكمام وبألوان زاهية يختلط فيه الاخضر الفاتح مع الاصفر، وتمشي بخطوات واثقة في قاعة اجتماعات كبيرة واتخذت مقعدا يتصدر قلب المائدة المستطيلة، تحيي الجميع بابتسامة عريضة متقصمة دور زوجة الزعيم نيلسون مانديلا، وعندما حان موعد الغذاء أخذت طبقها وانتحت جانباً على منضدة بعيدة بعد أن تبدل حالها الى المزاج السيء المكتئب.

قبل أن تبدأ في رشف الشربة رأت رجلا يجلس وحيدا يأكل بطريقة غاية في التكلف- بالنسبة لها- وبعد أن تأملته كثيراً لم تصدق ما شاهدته وقالت لنفسها: "معقول يكون هو هنا في كينيا؟!"، لم تستطع أن تمنع نفسها من ان تبرح مكانها وتتقدم خطوات نحوه لكي تتأكد من صحة ما رأت، اصبحت على خطوة واحدة من الرجل الذي لم ينتبه لقربها منه الا عندما صرخت بصوت مسموع وبإنجليزية سليمة "الآن ديلون.. أهذا معقول؟"، رفع الرجل رأسه بهدوء وعلى وجهه ابتسامة خفيفة وقال بوقار : "نعم يا سيدتي"!

كان هو بملامحه لم تتغير كثيراً رغم عمره الذي تجاوز السبعين والتجاعيد الذي أخذت طريقها الى وجه، بشعره الاصفر الذي اختلط بالشعر الفضي وعينيه الزرقاء الجميلة، كان يرتدي بدلة سوداء وقميصاً ابيض مع "كوفية" يختلط فيها النيلي مع الابيض والرمادي، كان حريصاً على أن يفتح ازرار قميصه لتظهر سلسلة ذهبية معلق بها مفتاحا فضيا.

ظلت واقفة ولم تصدق بعد انها رأت "الآن" فأنتبه هو لذهولها وعرض عليها الجلوس معه وتناول الغداء قائلا:"لما لا تحضري طبقك ونتناول الغداء سويا؟"، لم ترد بل حركت رأسها بايماءة تعني "طبعا"، واسرعت لتحضر طبقها وجلست أمامه لا تأكل بقدر ما تبحث عن مدخل لحديث طويل.

بدأ هو قائلا: "أتتحدثين الفرنسية؟" 

أجابت: " لا.. لكنني اجيد الانجليزية.. يمكننا أن نتحدث بها ان لم يكن يضايقك هذا"

رد: بالطبع لا.

أخذت تتحدث عن كيف تحب افلامه وانها سعيدة بمقابلته هنا في كينيا، اخبرته باسمها وعملها ولماذا أتت الى كينيا، كانت تلقي بالجمل بتلقائية وبساطة كما لو كانت تحضر نفسها لمقابلة نجمها المفضل، لم يرد عليها اكتفى بابتسامة وبتحريك رأسه، وبعد ان انتهى من طعامه وقف فقفزت هي واقفة لتحييه وقبل ان تفتح فمها لتتحدث، قال: "سعدت بلقائك سيدتي وسأكون سعيدا اكثر ان قبلتي دعوتي على العشاء الليلة"!!

ارتفعت الدماء الى وجهها وأذنيها وارتعشت يديها، لا تعرف ان كان رأى وجهها الذي كساه اللون الاحمر من بين ثنايا بشرتها السوداء، ردت بايماءة من رأسها أي نعم وبداخلها تريد ان تجري من امامه لكي تستعد منذ الآن، تركها خلفه تحاول ان تستجمع نفسها تحاول ان تصدق ان هذا قد حدث، لم تستمر في دهشتها طويلا، فانطلقت تاركة خلفها غداء لم تتناوله وجلسة مسائية من المؤتمر الذي جاءت اصلا لحضوره.

عندما وصلت كان هو يقف خلف زجاج المطعم ينظر الى انوار المدينة خارج الفندق، بحركة خفيفة طرقت باصابعها على كتفه وكأنها تقول "نحن هنا"، نظر اليها وعلى وجهه ابتسامة مرحبة بها ومعجبة بفستانها الفضي وابتسامتها التي كشفت عن اسنانها البيضاء واظهرت عينيها الواسعة.

بدأت الفرقة الموسيقية تعزف فعرض عليها برقة ان ترقص معه، ارتبكت فلم تكن تعرف كيف ترقص، فكل معرفتها بالرقص كانت الافلام السينمائية القديمة خاصة عندما كانت فاتن حمامة ترقص مع عمر الشريف في فيلم "سيدة القصر"!

قال في نبرة مطمئنة: "لا عليك.. اتبعي خطواتي، فالحركات غاية في البساطة".

تركت نفسها له مع الموسيقى والجو الهادىء الذي غلفته نسائم لطيفة قادمة من شبابيك المطعم، وحماس بدا على الفرقة الموسيقية التي ربما لا تعرف "الآن ديلون" لكنهم ربما اعجبهم ان يعزفوا لامرأة سودءا ترقص مع رجل ابيض!

لم ترد أن تفسد هذه اللحطة بالحديث لكن "الآن" بدأ يتحدث وهو يضع خده على خدها الناعم الرقيق الذي كان يرتعش بفعل سعادة نابعة من لحظة نادرة، قال وكأنه يكمل حديث انقطع بينهم فجأة:"أتعرفين تضم حياتي نساء يمكن ان اصنع بصورهن البوما وبحكاياتي معهن مجلدات لكني ابدا لم اقع في غرام امرأة سوداء، لا اعرف لماذا؟!، لكن لو عاد بي الزمان سأبحث عن صاحبة بشرة تشبه بشرتك وعيون تشبه عيونك"

اندهشت وارتسمت على وجهها عشرات من علامات التعجب وقالت لنفسها:"آهه لو تعرف ماذا يقول الرجال عني في مصر.. كيف ينظرون لي.. كيف يتفنون في السخرية من لوني ورسمي، واكثرهم رقة بعاملني على اني أجنبية".

استكمل "الآن" حديثه كأنه لم يرى وجهها المندهش ولا قسماتها المتعجبة: "أتعرفين لقد كان اكثر ما يغضبني في الماضي أن الناس لم يروا في الا وجها جميلا قادر على اجتذاب النساء الى قاعات السينما، لم استطع ان اغير تلك النظرة ابدا، لكني الآن اتذكر تلك اللحظات التي كنت اصاب فيها بغضب عارم من نظرتهم لي وكأني تمثال منحوت للاسكندر يحرص الجميع على اقتنائه"!!

صمت للحظات فظنت ان الرقص اجهده لكنه قال بنبرة دافئة: "لو عادت بي الأيام.. لو عادت بي الايام لم اكن لاغضب منهم بل كنت سأتحداهم كيف يمكن لصاحب الوجه الجميل ان يصنع بيديه شيئا جميلا غير ان يحتضن النساء على شاطىء الريفيرا.. كنت سأعطي لوجودي معنى أكثر قيمة، كانوا سينسوا وجهي ويلهثوا خلف عملي، لكن الأيام لا تعود.. اليس كذلك؟!"

قبل ان تجيب شعرت بيد تهزها بقوة، ففتحت عينيها لتجد المضيفة تقول: "بعد قليل سنهبط الى مطار نيروبي.. من فضلك اربطي الحزام".. نظرت حولها وعينيها ترى ضبابا خلفه اشخاص يتثآبون استعدادا للحظة الهبوط المنتظرة منذ ثلاث ساعات.

لم تحتاج لجهد لتعرف إنها مازالت في الطائرة و"الآن ديلون" كان حلما ولكنه مازال على غلاف المجلة امامها مبتسما تحت عنوان عريض "نساء في حياتي"!!

هناك تعليقان (2):