بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 11 سبتمبر، 2012

سقوط جدران الصمت على أبواب ميدان التحرير


كانت الساعة تقترب من الواحدة ظهر الأحد 23 يناير 2011 عندما وصلتني رسالة على تليفوني المحمول بأن وزير الداخلية –وقتها- حبيب العادلي قد أعلن خلال كلمته في احتفالية الوزارة بعيد الشرطة بان "تنظيم الجيش الإسلامى الفلسطينى المرتبط بتنظيم القاعدة يقف وراء حادث كنيسة القديسين في الأسكندرية" ذلك الحادث المروع الذي هز مصر كلها من اقصى الى اقصاها  ليلة الاحتفال برأس السنة الميلادية وأسفر عن مصرع 23 شخصا، فضلا عن إصابة العشرات بإصابات مختلفة!

وللعجب كنت وقتها على ابواب مقر السفارة الفلسطينية بالقاهرة في نهاية يوم تدريبي على الكتابة الصحفية، قبل ان اتأمل الخبر ومدى منطقيته جاءني اتصال هاتفي من الصديقة سارة عبد الغني من مؤسسة فريدريتش ناومان بالقاهرة تدعوني الى تدريب سيتم في الأسكندرية على "اعلانات الخدمة العامة" لمدة 4 أيام تبدأ في الخامس والعشرين من يناير (25 يناير) وموعد الالتقاء الواحدة ظهرا في ميدان التحرير!

لم افكر كثيرا وقبلت الدعوة.. لا أنا ولا سارة كنا نعرف ان مصر ستشهد ثورة رغم اننا شاهدنا الدعوات لها خلال الأيام السابقة ورأينا كيف سخر الكثيرون من الثورة المحدد ميعادها مسبقا، وربما كان لدينا احساس ان تلك الدعوات لن تجد غير استجابات محدودة من الذين يسيرون في كل المظاهرات ولن يستجب لها الناس وسيتم قمعها سريعا وينتهي اليوم كما انتهى غيره.. لم ياتي الى ذهننا ابداً ان المصريين تغيروا ونحن معهم على وشك ان نتغير ونسقط جدران الصمت بداخلنا الى الأبد.

رغم ان كان علي العودة سريعا الى المنزل لتجهيز الحقيبة والاستعداد للسفر الى ان ذهبت الى أماكن عدة لا اتذكرها تحديدا الآن لكن كل ما اتذكره ان عند نهاية هذا اليوم ركبت سيارة أجرة "ميكروباص" للعودة للمنزل وجلست بجوار السائق اتابع الشوارع وسمعت خلفي شخصين الأول قام بتشغيل اناشيد دينية اسلامية بصوت عالي من جهازه المحمول وبعدها بدقيقة سمعت صوت عالي لترانيم مسيحية من جهاز محمول لشخص آخر اراد ان يغطي على صوت الاناشيد وظل كل شخص يحاول ان يغطي على صوت الآخر حتى اغلقا هاتفهما تماما، لم يكن لهذا دلالة لدي سوى ان الاجواء بعد حادثة كنيسة القديسين كانت محتقنة وكل طرف وصل غضبه من الطرف الآخر لدرجة الغليان، وواضح ايضا ان الأثنين لم يسمعا تصريحات العادلي ان الحادثة قامت بها جهة خارجية!!

في صباح الخامس والعشرين من يناير في الطريق الى ميدان التحرير، الطرق خالية فاليوم أجازة رسمية بمناسبة "عيد الشرطة" لكني كنت على موعد مع الثورة وضدها في سيارة الأجرة التي استقلتها الى مكان التجمع.. كان يجلس بجواري رجل تجاوز الثلاثين عاما بقليل ظل يتحدث في الهاتف طول الطريق (لمدة 20 دقيقة تقريبا) وقال من ضمن ما قاله أنه استاذ جامعي في كلية الصيدلة جامعة حلوان ولكنه رغم حديثه الدائم عن الخير الذي يقوم به في نقابة الصيادلة من توفير الأدوية للبعثات الطبية التي تذهب الى الأماكن الفقيرة الى انه ظل يسخر من "الثورة" والداعين لها وان الشعب المصري شعب ضغيف وجبان ولن يفعل شيئا لانه اعتاد على الظلم ويخاف من التغيير!

في المقعد الأمامي كان يجلس شابين يبدوا انهما دون العشرين كانا يتبادلان ارقام الهاتف التي سيتصلوا بها اذا قُبض عليهما ويراجعان أماكن التجمع للمظاهرات وكيف اذا افترقا عن بعضهما البعض اين سيتقابلا ويتأكدا ان التليفون مشحون وفيه نقود تكفي لاجراء المكالمات.. قبل ان انزل الى وجهتي لم يغب عني تلك النظرات القلقة والواثقة في آن معا تلك التي كان ينظر بها الشاب في الكرسي الامامي ذو الطاقية الصوف البيضاء، الى الطريق وتزداد كلما اقتربنا من الميدان.. ولم يغب عني تلك النظرة الساخرة المستهزءة التي كان ينظر بها الاستاذ الجامعي الى الشابين ونبرته وهو يتحدث عبر هاتفه بأنه "سينام في ذلك اليوم الذي ستقوم فيه الثورة حتى ينتهوا" وكأنهم في لعبة!

كنت غاضبة من الاستاذ الجامعي ومتعاطفة وخائفة على الشابين في آن معا.. وأنا لن أذهب الى المظاهرات ولن اجلس في بيتي.. كنت على موعد آخر مع مشهد لن انساه وصوت يتردد في أذني حتى الآن.

الوقت: الثانية عشر وبضع دقائق
 المكان: موقف الجونة مطل مباشرة على ميدان التحرير والمتحف المصري

اقف وحدي في انتظار زملائي المشاركين في التدريب، احمل في يدي حقيبتي وبجواري شنطة سفر كبيرة لم اعرف لماذا ملآئتها بالملابس وكأني مسافرة الى امريكا.. الشمس دافئة والجو هادىء بطريقة تبعث على القلق وفجأة ظهرت جموع حاشدة من البشر وكأن انشقت عنها الارض تجري جميعها أمام قوات من جنود الأمن المركزي.. كان صوت هدير هذه الجماهير عاليا ومثيراُ في النفس مشاعر متناقضة بين الفرح والخوف، بين ان تبتعد خوفا من الامن وأن تنضم اليهم وليحدث ما يحدث بعدها، اتجهوا جميعا الى ميدان التحرير المتظاهرين وقوات الأمن خلفهم، أما نحن المتدربين الذين تجمعنا على مدار الساعة اتجهنا مسرعين الى الاتوبيس الذي سيقلنا الى الأسكندرية بعد اصرار السائق ان نتحرك الآن دون انتظار من لم يأتوا بعد!

في الطريق اخرجت كتابا لم اقرأ منهم حرفا.. أنظر الى الطريق أما زملائي فكانوا يسخرون ويقولون ان مؤسسة فريتدريتش ناومان اختارت هذا اليوم بالتحديد حتى لا نشارك في المظاهرات!

وصلنا الأسكندرية ودخلنا غرفنا لنشاهد الأخبار القادمة من ميدان التحرير وكيف هي المظاهرات الآن، فقط في المساء اذاعت الجزيرة ان المتظاهرين قرروا الأعتصام في الميدان وقوات الأمن المركزي ظلت كما هي تحاصرهم، لكن اللافت لنا ان الاخبار تقول ان المتظاهرين في زيادة مستمرة ليس في القاهرة فقط بل في الاسكندرية والسويس التي عرفنا فيما بعد ان أول شهداء الثورة سقط فيها.

كثير من التفاصيل راحت عن ذهني من يوم الاربعاء وحتى صباح الجمعة الذي كان من المفترض ان يكون آخر ايام التدريب، كل ما اتذكره اننا انشغلنا في التدريب وفي تصوير مشاريعنا من اعلانات الخدمة العامة ونتابع الاخبار من الاصدقاء الذين يقيمون في الاسكندرية ومن التليفزيون الا ان جاء صباح الجمعة 28 يناير والذي عُرف فيما بعد بـ"يوم جمعة الغضب".

في الصباح كانت الاجواء بالقرب من فندق شيراتون المنتزه الذي نقيم فيه هادئة وكأنها لم تسمع بالثورة، لم تُقطع الأتصالات بعد، وبعد صلاة الجمعة تم الاتفاق مع ديمة –المدربة الاردنية- وسارة ان المتدربين سينزلون للمشاركة في المظاهرات، وقتها لم اكن قررت بعد انا التي لم تسير في مظاهرات من قبل، هل سأنضم لهم ام سأظل اتابع الاخبار من الفندق.

لم اُناقش الأمر مع أحد بل كان الصراع يدور كله بداخلي لم اكن خائفة على نفسي لكن كانت كل مخاوفي على ابي وأمي "ماذا لو حدث لي مكروه.. ماذا سيفعلون؟، هم لا يعرفوا كيف يتصرفوا في تلك الحالة..."، حسمت أمري سريعا فلم يكن أمامي وقت كانوا حتما سيتركوني اذا لم اتخذ قرارا، قررت الذهاب وضعت في حقيبتي ارقام هواتف الفندق وزعتها علينا سارة حتى اذا ضاع منا الطريق اثناء المظاهرات يمكننا ان نعرف طريق العودة.

طبعا ستسألني عن السبب الذي جعلني انزل معهم.. ديمة هي السبب! مدربتنا الأردنية من أصل فلسطيني قررت النزول والمشاركة معنا في التظاهرات.. لم تتردد مثلي ولم تخف واحساسي انها لم تفكر اصلا في امكانية المكوث في الفندق بل كانت قبلنا في الاستعداد للمشاركة، خجلت من نفسي كثيرا واستمديت منها طاقة قوة على معايشة تجربة.. يالها من تجربة في يوم عُرف فيما بعد انه من أكثر ايام الثورة دموية وسقوط شهداء كُثر وقطع الاتصالات وحظر التجوال وخطاب مبارك الأول وانسحاب الشرطة.. وسقوط حاجز الصمت الى الأبد.

لن انسى ابدأ هذا اليوم بأعداد المتظاهرين الغفيرة التي تجوب بلا تعب شوارع الاسكندرية، والآف المطلين علينا من النوافذ والشرف، والمياه التي تأتينا منهم، والهتافات مبارك باطل.. العادلي باطل، يا جمال قول لابوك الشعب المصري بيكرهوك، يا اهالينا انضموا لينا، قول ما تخافشي مبارك لازم يمشي، ارحل.. ارحل.. ارحل.

كنا نتشبث بايدي بعضنا البعض، لم نكن نغضب نحن الفتيات اذا اصدم بنا شاب، كنا نشعر اننا اليوم مختلفون لا يجب ان نخاف من بعضنا البعض بل كل مخاوفنا كانت على بعضنا البعض، كنا نقف كل بضعة أمتار لنتأكد ان سمير وأبانوب وسارة وديمة وشهدان وعبدالله ومصطفى ومينا وهدير ومحمد وعلي مازالوا قريبين منا وعلى مرمى اعيننا.

كنت غاضبة وخائفة وخجلة في البداية لكن بعد مرور الوقت توقف قلبي على النبض بسرعة وهدأ، لكني لم استطع ان امنع دموعي من ان تجري على وجهي عندما رأيت جنود الأمن المركزي محبوسين بداخل عرباتهم ويشيرون لنا من الداخل بعلامة "اننا معكم".

الساعة الآن الخامسة مساء، الاخبار جاءت ان هناك حظر للتجوال سيبدأ من السادسة مساء، كان يجب علينا ان نجد اي وسيلة لتقلنا الى الفندق قبل السادسة، وجدنا اناس رجال ونساء نزلوا لكي يحضروا بعض الاغذية تحسبوا لحظر التجول اقلونا الى الفندق، لنظل بعدها ساعات نعمل على مونتاج مشروعاتنا من اجل الحصول على منتجات للورشة ننتظر خطاب مبارك الأول الذي سيصيب الجميع بصدمة وبخيبة أمل.

في صباح 1 فبراير كنا في الطريق الى القاهرة يملؤنا القلق.. انا شخصيا كنت بالكاد اطمئننت على عائلتي بعد عودة الاتصالات والاشاعات أكثر من الأخبار، ولسنا قادرين حتى على التكهن بماذا ستكون الخطوة القادمة..

سافرت ديمة وعدت أنا الى بيتي لأجد محطة مترو الانفاق محطمة تماما ولم افهم من فعل هذا ولماذا.. غضب ابي مني عندما اخبرته بمشاركتي في جمعة الغضب وبادر هو بأخباري انه ليس مسموحا لي ان اذهب الى ميدان التحرير، وعدته الا اذهب وبداخلي شوق الى التواجد هناك، ولكني كنت اتفهم مشاعره وخوفه وانه لا يريد ان يعاني اذا غبت او اختفيت او قُتلت!

ظللت اتابع الاخبار عبر التليفزيون والأذاعة والانترنت وقبل تنحي مبارك بأيام تححجت بأني اريد ان اشتري كتبا وذهبت الى ميدان طلعت حرب اولا فوجدت كل المحال مغلقة توجهت الى ميدان التحرير وعلى ابوابه توقفت، لقد وعدت ابي الا اذهب وعدت من جديد الى بيتي بعد ان شاهدت الجموع التي تدخل الى الميدان افرادا وجماعات..

اقل لك: لم اندم على شيء في حياتي قدر اني لم ادخل حينها الى ميدان التحرير.. لكن ما كان يبعث الأمل بداخلي اني ذهبت الى بيتي وتركت قلبي هناك في الميدان!

فاز هذا المقال بالجائزة التقديرية لمسابقة الحلم المؤجل لعام 2012

لقراءة المقالات الفائزة بجوائز هذا العام.. أضغط هنا

هناك تعليقان (2):

  1. ألف ألف مبروك من نجاح لنجاح يا سعاد

    ردحذف
  2. كم هو حلم مؤجل وموجع في نفس الوقت يا سعاد ولكن صغيرتي عزاءنا الوحيد يبقى أننا عشنا ساعات تعدل عمراً بأكمله. أقول لك إنها عدالة السماء التي أبت إلا أن تشاركي الشهداء الشهداء ولو بيوم.
    محبتي،،

    ردحذف