بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 1 سبتمبر، 2012

يوميات صوحفية فـ الأهرام.. اسرار عشرون عاما في المؤسسة العريقة!


عندما كنت طالبة في قسم الصحافة بكلية الآداب لم اتمنى يوما ان التحق بالأهرام، فرغم واقعي الفعلي اني طالبة صحافة لكن كنت كمن تنتظر معجزة تجعل من دارسة صحافة تحقق حلمها في ان تصبح مذيعة اذاعة.. واتذكر الآن ان زميلاتي عند اي نقاش بيننا ينتهي بان يقولوا لي تزوجي فلن تصبحي هيكل في يوم من الأيام!

 فرغم نبرة السخرية من احلامي التي تبدو في كلامهم الا ان لديهم بعض الحق فأنا لا اريد ان اكون مثل هيكل ولا احلم بأن اكون صحفية في الاهرام لكن شيئا ما كان بداخلنا جميعا يجعلنا نقدر الأهرام ونعتبر ان من ينجح من زملائنا في العمل فيها او حتى التدريب قد حقق انجازا كبيرا في حياته المهنية .

 هذا الشعور اصابه الكثير من التغيرات بعد أن انتهيت من قراءة كتاب صباح حمامو "يوميات صوحفية فـ الأهرام.. عشرون عاما بين دهاليز المؤسسة العميقة"، ولم يعد بريق المؤسسة وابهتها تعكس نفس الصورة في ذهني، فاكتشفت ان خلف البريق الذي يشع من الارضية والحوائط والمبنى الضخم  توجد الأتربة التي غطت عمدا تقاليد مؤسسة كانت يوما ما "عريقة"!

للوهلة الأولى عندما رأيت الغلاف ابتسمت، فهو بجانب جماله وقدرته على اختصار معاني عديدة في مساحة بسيطة الا ان كلمة "صوحفية" عندما نطقتها كان لها وقع "مضحك" على اذني، فهي ليست غلطة مطبعية على كل حال، انما هي تلك الكلمة التي يقولها البعض بالعامية على "صحفي" فيقول فلان "صوحفي" أو فلانة "صوحفية".. لا بأس فأنا مازالت متحمسة لقراءته، فأنا شغوفة لمعرفة ماذا كتبت صباح حمامو عن تجربة قرابة عشرين عاما في مؤسسة الأهرام، التي لم اعرف منها غير "الارشيف" و"المكتبة" في زيارة واحدة يتيمة يوم ان كنت طالبة ادخل المؤسسة "العريقة" بتصريح من الكلية!

قبل ان تبدأ في رحلة طويلة عبر صفحات الكتاب فصباح حمامو تنبهك الى  حقيقة أن كتابها ليس سوى "انطباعات شخصية أمينة لما رأيته وعشته في مؤسسة الأهرام بعد أن ذاب عشرون عاماً من العمر سيراً بين طرقاتها وطرقا لأبوابها في نيل رضاها".

الكتاب مقسم لثلاثة أجزاء الاول جاء بعنوان "أن تكون فـ الأهرام" والثاني "أن تكون صحفياً" أما الثالث "الحلم.. الثورة.. الخيال العلمي".

الفصل الأول منذ البداية وحتى نهايته-وهو أطول فصول الكتاب واكثرها ثراء بالحكايات- يعطيك انطباعا ان تلك المؤسسة التي مازالت تعتبر الصوت الرسمي للنظام في مصر-ايا كان النظام القائم- هي عالم آخر منفصل عن التطورات التي تحدث خارجه، فهو نموذج لمصلحة حكومية عتيقة مكتظة بالعاملين الذين ينقسمون بدورهم الى طبقات مثل طبقات المجتمع (عليا- وسطى- دنيا)، ينال بعضهم الامتيازات وينال البعض الآخر التجاهل في ابسط الحقوق وكل هذا ليس وفقا لمعيار العمل او الكفاءة انما لمعايير خاصة اصبحت مثل الدستور الغير مكتوب بين العاملين تنتقل بندونه عبر الأجيال مثل العادات والتقاليد دون محاولة حتى للتأمل في الفلسفة التي وقفت خلف كل بند من بنود دستور الاهرام الغير مكتوب.

مثلاً جاء فصل في الكتاب يحمل عنوان "بنت مين في الأهرام؟" تقول الكاتبة:"فالأهرام  "طبقات" و الـ "ت" هنا لا تشير لطبقتي المُعينين وغير المُعينين، كما كنت أظن، فداخل كل طبقة طبقات أخرى، وداخل كل تصنيف تصنيفات أخرى، فداخل طبقة ابناء المحررين هناك طبقات أخرى، فبعد المرور من تصنيف (مُعين) (غير مُعين) ودخول تصنيف (مُعين ابن صحفي) و (مُعين مش ابن صحفي)، تدخل التصنيف الثالث، فأن تكون محرراً ابن محرر مسئول عن تغطية رئاسة الجمهورية أمر مختلف عن أن تكون محررا ابنا لمحرر عادي في قسم يُنشر اسبوعيا على سبيل المثال، ففي الحالة الأولى ربما يتم تعيينك على كادر خاص، وتحصل على امتيازات ضخمة، منها أن يكون لك عمود اسبوعي... رأسك برأس نجيب محفوظ... أما الزميل المحرر الثاني الذي يعمل والده في صفحة أسبوعية، فقد يصل به الأمر من أن يتساوى مع الزملاء الذين هم "ليسوا أبناء أحد من كبارات الأهرام" ويصل بهم الأمر أن ينتظروا في طابور التعيين لسنوات طويلة"!!

في فصل آخر يحمل عنوان "استراتيجية الأتصال في الأهرام اسمها عم أحمد"، وهنا ستعرف ان عدد  صحفيي مؤسسة الأهرام وفقا لاحصائيات نقابة الصحفيين يُقارب أو يزيد عن الـ 1500 صحفي.. وأنه لا توجد بها وسيلة معروفة للتواصل.." والكاتبة تقصد أن رغم ان هناك في المؤسسة تليفونات بخطوط داخلية وخارجية ، لكن ليس هناك دليل مكتوب يوضح "من يكون رقمه ماذا" وتصبح طريقة التواصل هي ببساطة ان تتصل بالسويتش لكي يحاول ايصالك بالمحرر الذي تريد الاتصال به واذا كان مشغولا او اصلا غير متواجد على مكتبه فعليك اما ان تذهب اليه مباشرة في مكتبه "غالبا عليك ان تسأل اولا اين مكتب المحرر في المؤسسة" أو ان تكتب خطاب بخط يدك وتضعه في ظرف وتضعه في يد "عم أحمد" لكي يوصل الرسالة في النهاية الى الشخص المطلوب ويأتي منه بالرد ايضاَ!! هذا مرهون ان وجدت اصلا ظرف وورق لان المظاريف وسائر الادوات المكتبية تُصرف وفق استمارة فقط لرؤوساء الاقسام والادارات!!

ستعرف خلال هذا الجزء ايضا ان هناك جريمة تسمى "العيب في الذات الأهرامية"، وان معظم محرري الاهرام مازالوا يكتبوا موضوعاتهم بالطرق التقليدية اي بخط اليد على ورق الدشت ويذهب للمراجعة والتجميع ليرسل في النهاية الى المطبعة، رغم ان اجهزة آبل الحديثة موضوعة على المكتبات "بأكياسها" لم تُستخدم بعد وغيرها وغيرها من حكايات ستجد نفسك تلقائيا ترفع حاجبيك من فرط التعجب وتسأل نفسك هل أنا اقرأ مذكرات ام رواية خيال علمي، لكنك ستستكمل القراءة على اعتبار "إن كل شيء وارد"!!

الجزء الثاني من الكتاب "أن تكون صحفياً" هو من امتع فصول الكتاب فهو يحوي مشاعر الكاتبة منذ ان اول مرة نُشر اسمها على موضوع كتبته وتفاصيل لابرز القصص الصحفية التي كتبتها منها قصة ليلة قضتها الكاتبة في جوف الاهرام (الآثر التاريخي وليس المبني)، بالاضافة الى تجربة عاشتها في مستشفى للامراض العقلية، وايام اخرى في دير الراهبات في "وادي فيران" وهي منطقة تبعد 25 كيلو متر عن منطقة دير سانت كاترين.. ولن تجعلك صباح حمامو أن تترك هذا الفصل دون ان تعطيك نصيحة في كيف أن تكون صحفياً عالميا ً دون أن تتكلم الانجليزية؟ ولن اقول لك بالطبع بماذا نصحت فعليك ان تقرأ هذا بنفسك.

اما الجزء الثالث فهو الى جانب انه يحمل احلام الكاتبة لما تتمنى ان تكون عليه مؤسسة عريقة كالأهرام، يحمل ايضا وصف بانورامياً لما شهدته الأهرام منذ قيام الثورة والمشاحنات التي دارت في محاولة لكي "تتطهر" الأهرام وتصبح مؤسسة تعبر فعليا عن الشعب وليس عن النظام القائم تمدحه وتنشر عنه "صورا تعبيرية".

لقد قرأت كتاب "يوميات صوحفية فـ الأهرام" لصباح حمامو ليس فقط لان لدي فضول أن اقرأ عن مؤسسة تبدو "غامضة" خلف مبانيها الانيقة، أو فقط لاني شغوفة بقراءة مذكرات واوراق شخصية لصديقة.. انما لانه كان لديها الجرأة ان تنشر تلك الجرائم التي ترتكبها المؤسسة التي هي نفسها مازالت تعمل بها، وتعتبر-اي الأهرام- اي نقد هو من قبيل الجريمة التي تستحق العقاب لدى المؤسسة العريقة، ولاني اصدقها عندما تقول ان هذا الكتاب ليس سعيا وراء اي اغراض حميدة كانت او ذميمة انما لكي يصبح هذا الكتاب حجر في البركة الراكدة ، لكي "تعود الاهرام الى الشعب تعبر عن اوجاعه واحلامه" وليس كمؤسسة تصّدر اوراق يفضل الناس ان يضعوها كمفرش للدولاب او يفرشوها تحت طعامهم حين لا توجد منضدة!

بيانات الكتاب:
أسم الكتاب: يوميات صوحفية فـ الأهرام.. عشرون عاماً بين دهاليز المؤسسة العميقة
الكاتبة: صباح حمامو
تصميم الغلاف: أحمد مراد
الطبعة: الطبعة الأولى 2012
القطع: متوسط

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق